Home / Articles en arabe / تونس… رحلة وطن… وحياة

تونس… رحلة وطن… وحياة

تعريف الكاتب :
من هو محمّد كريم؟…محمد هو طفل صغير رقيق وحالم. طفل يحبّ التأمّل في السماء والاستغراق في النجوم. يلعب مع الحيوانات لأنّهم أفضل أصدقائه ولا يشدّه في الحياة أكثر من مراقبة ورقة أو غصن شجرة بسيط لساعات طوال.
طفولة محمد كريم لا تشبه طفولة الآخرين، لأنّه لم يع وجوده الخاص قبل سنّ السابعة.
تعود ذكرياته الأولى إلى ذلك اليوم، الذي انتقلت فيه عائلته للعيش في منزل آخر كبير في منطقة أريانة. وانطلاقا من ذلك اليوم، شرع في استقبال العالم، الذي يحيط به. استقباله بملىء حواسه الخمسة واستيعابه بشعور مُسكر بالحريّة. حريّة التفكير وحريّة التنفّس ملىء الرئتين.
في عائلة وفيرة العدد، تتكوّن من ستعة إخوة وأخوات، كان لمحمد ميل خاص لأخته الكبرى، الثانية في ترتيب العائلة. كانت هي التي اعتنت به وكثيرا ما ساعدته في صبر ورفق في انجاز دروسه وفروضه المنزليّة.
ولكن وبدخول هذه الاخت الى مدارج الجامعة، تغيّرت كليّا وأصبحت لا تنقطع عن ترديد اسم « الله » وهجرت ألوان فساتينها المتعدّدة الجميلة. لقد قرّرت الأخت الكبرى، أن تجعل من أخيها الأصغر »مسلما جيّدا »…
ملخص الكتاب
ولد محمد كريم العبيدي في تونس بتاريخ 04 أوت 1966. نشأ في وسط عائلي تقليدي تونسي. عرف هذا الوسط اجتياح ما سمى ب »الاسلام السياسي » والذي حلّ بمجيئه الاضطراب الكامل في العائلة.
زاول تعليمه الابتدائي في تونس ليواصل دروسه الثانويّة في فرنسا، حيث تعرّف هناك على الوسط الشيعي وانخرط فيه.
سافر بعد ذلك، إلى كلّ من إيران وسوريا، ليلتحق بدرس علم الأديان « التيولوجيا » ودرس التاريخ. وجد الكاتب نفسه، نتيجة لذلك، مُنخرطا في الإسلام الشيعي الإيراني ذو الطبيعة السياسيّة.
وإثر تحرّره من هذه المسألة واصل محمد كريم العبيدي بحوثا صوفيّة عبر زيارته للعديد من البلدان سعيا وراء المعرفة، حيث تعرّف على الكثير من شيوخ الصوفيّة وفلاسفتها، الذين تلقّن منهم أهمّ دروسه. هاته الدروس التي وجد فيها « إيمانه الخاص » والذي يلخّصه كريم العبيدي في مبدأ واحد وحيد: » كلّ انسان هو سيّد نفسه و لا سيادة لانسان على انسان آخر« 
الإهـــــــــــداء
أهدي هذا الكتاب:
إلى الملكة الأمازيغيّة، ديهيا تدموت، التي أعدمها الاحتلال العربي ـ الإسلامي في معركتها من أجل الحريّة والكرامة.
إلى روح والدتي، من أجل صبرها ونضالها حتى يحقّق أطفالها النجاح والتفوّق.
إلى والدي… مع تقديري واحترامي.
إلى أولادي… مع عميق محبّتي وحناني.
تصديـر
وُلدتُ في تونس العاصمة، لعائلة تقليديّة مسلمة تظمّ تسعة أطفال، كغيرها من كثير العائلات التونسية الأخرى. احتفظت من طفولتي الأولى بذكريات جميلة شيّقة، ولكن سرعان ما فقدت خفّة روحي النقيّة لتلك السنّ. مع العودة الى الوراء، أدرك الآن ذلك الطفل، الذي كنته في ما مضى. ذلك الطفل الذي اخترقت حياته وحياة عائلته خمس سنوات جحيميّة، إمتدّت من سنة 1975 حتى سنة 1980 حيث تسرّب كالسمّ الزعاف ما يسمى بالاسلاموية في عروق الجميع.[1]
هذا الاضطراب الذي طبعني ووسم بقيّة حياتي هو نفسه، الذي وسم تونس وبعثرها في [2]2011. ما يحدث على مستوى بلد هو نفسه ما يحدث على مستوى مدينة ومستوى عائلة وصولا حتى الفرد، فنحن التاريخ ولكن في الغالب دون علم منّا.
يبدو لي اليوم من الأهمّية بمكان، أن أوثّق شهادتي على هذا السقوط في الجحيم وتسليط الضوء على ما عشته أيّام إنتمائي للحراك الاسلاموي . سوف أصف الميكانيزمات والطرائق، التي جعلت من عائلتي تتبنى النظريّات الاسلامويّة. سوف أصف تردّدها وتمزّقها وبالتالي تشتّتها. كما سأصف تاريخي الشخصي إبّان انتمائي للحركة الشيعيّة العالميّة. هذه الحركة ذات الايديولوجيا المهدويّة، التي لا تزال فاعلة حتى الساعة ولازالت تنقل أذرعها وقواعدها من إيران إلى العراق وسوريا تحت الحصانة الديبلوماسيّة.
غايتي هي فضح استراتيجيا الهجوم الاسلاموي من خلال نموذج ـ مثال مُستمدّ من شبكات النُّخب الشيعيّة: الخطّ الرسالي.
هذه الشبكات لا تختلف عن بقيّة الحركات الاسلاميّة الأخرى، التي عملت على استغلال شباب يبحث عن هويّة أو يعيش أزمة هويّة.
سوف أتّخذها كنموذج، لأنّي خبرت كلّ مغالطاتها وايديولجيّاتها وحتى طرائق تصرّفها وذلك بحكم إنتمائي السابق إليها كعضو نشيط داخلها.
منذ تحرّري من ربقتها، لم أتوقّف عن الاشارة لما تمثّله هذه الحركات من خطورة. إنّي أعتقد، أنّه على العالم اليوم، أن يعي سلطة هذه الشبكات الاسلاميّة، التي تسيطر على جمهور كبير من الناس جاهل بالتاريخ الحقيقي للاسلام، مستخدمة في ذلك خطابا مزدوجا قائما على مناهج متعدّدة. إنّها تنطلق من البروباغاندا التعبويّة على المستوى الاجتماعي وصولا حتى الارهاب الجسدي والفكري والسياسي، مرورا بالرقابة وإلغاء حق الاختلاف وفرض نمط تفكير أوحد تحت إسم الله[3].
المسلمون من أشدّهم رديكاليّة حتى أكثرهم تفتّحا ومسالمة، يجمعهم حلم واحد موجود في القرآن وذلك في سورة الأنبياء آية رقم 105  » ولقد كتبنا في الزّبور[4] من بعد الذكر[5] أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون« .
كلّ مدرسة أوطائفة أوحركة إسلاميّة، تعتبر نفسها « المطيع الأفضل » لله وهي وحدها التي تسلك الطريق الصحيحة المؤدّية إليه عبر إطاعتها لأوامره.
مفهوم « أرض الميعاد » الوارد في الآية القرآنيّة هنا، عادة ما يُفسّر حسب الطلب وبطرق مختلفة، فهو يمكن أن يكون الأرض عامة أو خاصا بأرض أورشليم أو هو أيضا أرض الجنّة في الحياة الآخرة بعد الموت، كما تذهب إلى ذلك تعاليم ماقبل الاسلام، حيث يحظى الصالحون بأرض الميعاد. ولكن مع الاسلاميّين يتّخذ هذا المفهوم تفسيرا أحاديّا، فهم يحاربون العولمة القادمة من الغرب لا حبّا في الانسانيّة، بل لأنّهم يعتقدون اعتقادا صارما، أنّ الاسلام هو من سيسود العالم بعد هلاك البشريّة وبعثها من جديد.
ثمّت قناعة عمياء تدعم إرادة القوّة هذه وتغذّيها وما انفكّت تتحقّق على أرض الواقع بتوخّيها نوعا من الاستراتيجيا الشرسة والمتوحّشة، وهو ما سنسعى إلى كشفه تباعا عبر صفحات هذا الكتاب.
تسرّب الاسلاميّيون في حركات المعارضة المحليّة وتغلغلوا أيضا في المعارضة ذات الطابع القومي العروبي ووصلوا حتى إلى الحركات المعارضة للغرب الموجودة في دول العالم الثالث. هذا الاستقطاب الشرس لشباب المستقبل الاسلامي أو المتعاطفين معه يشتغل على الصعيد العالمي ويشتغل في كلّ مكان: في العائلات وفي الشارع وفي المؤسّسات العامة والخاصة وفي الانترنات أيضا. إنّه يطال بالأساس شبابا مُغرّرا به وقع دفعه لمواجهة مصير غامض بمفرده. شباب وقعت دمغجته ليخضع خضوعا تامّا الى « سلطة مقدّسة » في ظلّ غياب كلّي لتأطير عائلي واجتماعي فعّال وناجع.
هم أفراد يتّسمون في العادة، بضعف في الشخصيّة ويعيشون فشلا في حياتهم الخاصة والعامة أو يعيشون داخل دائرة مغلقة من الأوهام أو قد يكونون أيضا متعطّشين لسلطة المال ولسلطة اعتبارهم والاعتراف بهم. يدّعي هذا الاستقطاب، أنّ غايته هي « مجابهة الامبرياليّة اليهوديّة المسيحيّة التي تقهر الضعفاء » وهو يهبّ كحركة اسلاميّة لنجدة هؤلاء الضعفاء عبر تحريرهم ومدّهم بامبرياليّة بديلة خاصة بهم. امبرياليّة تقوم في الحقيقة على الثقافة الاسلامويّة وطريقة تفكيرها.
إنّي أعتقد اعتقادا جازما بضرورة توحيد صفوفنا كحكومات وكنسيج اجتماعي متكامل وكذلك كأفراد من أجل مجابهة هؤلاء الاشخاص، الذين يرتكبون باسم الله جرائم ضدّ أنفسهم في المقام الأوّل وضدّ المجتمع والانسانيّة في المقام الثاني، خاصة إذا علمنا أنّ أسيادهم المقيمين في أعلى النظام الهرمي، الذي يميّز هذه الحركات الاسلاميّة، يستغلّونهم عبر تخويفهم وترهيبهم من العقاب الإلاهي وذلك فقط، حتى يحقّقوا مآربهم السياسيّة والشخصيّة.
إنّ الكتابة بعد كلّ هذه السنوات، هو أمر دفعتني إليه الوضعيّة الغير آمنة، التي أصبح يعيشها العالم بأسره. الوضعيّة التي انطلقت من أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا وتسبّبت في غضب الشعوب. غضب أدى في ما بعد الى قيام الثورة التونسيّة في 14 جانفي 2011 ليتبعه بعد ذلك اهتزاز عنيف دموي في كلّ من مصر واليمن وليبيا وسوريا وولادة ما يسمى بالدولة الاسلاميّة {داعش} في العراق وفي سوريا، ثمّ سقوطها. صعود الهيمنة العربيّة المُتخفّية وراء الاسلام وخاصة المدّ الشيعي الايراني. فقدان الهويّة والانحطاط الخطير للشعوب المستعربة أو التي وقع تعريبها عنوة وبالقوّة واحتلالها باسم الاسلام العربي.[6]
في النهاية، الضغط على الحريّات وصعود أحزاب سياسيّة محافظة ذات ميول قوميّة وطائفيّة في مجابهة الارهاب الاسلامي في العالم، كما هو الحال في أمريكا بعد وصول دونالد ترامب الى سدّة الحكم.
يهدف هذا الكتاب بالأساس إلى توعية الشباب بالخطر المحدق به، حتى لا ينجرف إلى عمق هذه الدوّامة الجحيميّة، إذا ما انخرط فيها، فيعسر بعد ذلك خروجه منها.
أتمنى أن يكون هذا العمل شهادة، تمكّن بعض القرّاء من النجاة من هذا المنزلق الكارثي وتمكّن بعضهم الآخر من فهم الجانب المظلم والمعتّم للإسلام وكذلك فهم المخطّطات الخبيثة للإسلاميين.
وجب علينا قطعا، أن نمدّ يد العون للشباب المرفوض من المجتمع. وجب علينا الاستماع إليه ومساعدته على إعادة بناء حياته ومستقبله. وجب علينا منحه دفقة من الأمل ودفقة من الرغبة في الحياة، حتى لايقع فريسة لأعداء الحياة وأعداء الانسانيّة. إعادة تأطير الشباب ومساعدته هو مصلحة عامّة وتعني الجميع وتهمّهم دون استثناء.
هذا العمل يعكس أيضا رأيي المتواضع في الصراعات الدوليّة حيث يلعب الاسلام دورا مهمّا وأساسيّا. سوف تتسبّب تلك النزاعات التي يخوضها هنا وهناك في كارثة عالميّة ما لم يتم نزع فتيلها وما لم تُتخذ إجراءات عاجلة للقيام بذلك.
أملنا هو أن تساند الدول المتقدّمة، التي تمتدح اللائكيّة والحريّة والمساواة والإنسانيّة المفكّرين الأحرار والأوفياء إلى أوطانهم ولا أن تقف إلى جانب الزعامات الديكتاتوريّة سعيا وراء عقد اتفاقات معها، لتخدم فقط مصالحها الخاصة. أملنا، أن تساعد إيجابيّا الدّول السائرة في طريق النمو حتى تصل بها الى التحضّر والتمدّن والحداثة وذلك دون أن تفرض عليها اتّباع أنظمتها الاقتصادية والسياسيّة وتقليدها، فتطوّر هذه الدول المتخلّفة يصبّ في النهاية في مصلحة البشريّة جمعاء.
سعيت عبر هذه الصفحات إلى اعادة نسج ما خضته من تجارب في حياتي الشخصيّة والعبرة التي استقيتها من ذلك حتى أقدّمها للقارىء، آملا توضيح الفرق بين الاسلام في معناه المحض والاسلام الارثدوكسي، كما أدعو إلى حقّ الجميع في الاختلاف والتنوّع والحرّية.
ربط الكتاب بالفرنسية : Ma vie, ma Tunisie
****************************************
[1] مصطلح إسلاموي أو إسلامي{اسلاميين} يعني الاسلام الارثدوكسي الذي يؤوّل النص تأويلا حرفيّا. وجد هذا المصطلح مكانه في اللغة الفرنسيّة منذ القرن الثامن عشر. كان فولتير يستعمله عوض مصطلح « المحمّديين » للدلالة على دين المسلمين. منذ سقوط الامبراطوريّة العثمانيّة في بداية القرن العشرين أصبح يعني كذلك الاسلام السياسي الراديكالي.
[2] في 14 جانفي 2011 اندلعت ثورة شعبية في تونس اضطر إثرها الرئيس التونسي بن علي الى الهرب الى السعوديّة بعد بقاءه على رأس السلطة طيلة 23 عاما. هذه الثورة أنقدحت شرارتها باقدام شاب تونسي من منطقة سيدي بوزيد، يعمل كبائع متجوّل على حرق نفسه. وهكذا وسريعا ما استولت حركة النهضة الاسلامية على الحكم في تونس.
[3] الله: هو إلاه العرب قبل الاسلام وقد أخذوه عن « إل » الاه شعوب ما بين النهرين {العراق اليوم} وحوّله الاسلام فيما بعد الى إلاه واحد.
[4] الزّبور: كتاب يحتوي على ترانيم ومدائح الملك داوود
[5] الذكر: هو الكتاب السماوي أو المقدّس الذي يحتوي كلام الله
[6] الاسلام العربي ظهر في المنطقة العربيّة منذ 1400 عام وهو إسلام قائم على العادات والتقاليد العربيّة القديمة. إسلام ارثودكسي رافض لكلّ ما هو تطوّر وتأقلم مع التغييرات التي تطرأ على الواقع.

About labidikm

A lire aussi

لماذا انا أكره اسرائيل؟

لماذا انا أكره اسرائيل؟ هل هناك من سأل نفسه ولو مرة هذا السؤال؟ اكيد من …

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *