حرروا اللغة العربية من أغلال الدين الإسلامي

الكثير يفتخر ويعربد بلغتنا العربية وجمالها الإبداعي في إلقاء الكلمة والتعبير والكتابة، ويحسب أن هذه اللغة مقدسة بما أنها لغة الله ولغة الملائكة ولغة الجنة، ويجعل اللغة العربية في مرتبة تسمو نحوها كل اللغات وهي الكمال بعينه و لا منازع لها هذه الفكرة الخاطئة والخطيرة والعنصرية كانت من ناحية السبب المباشر في تطور اللغة العربية في بداية الدعوة الإسلامية عندما كانت هذه اللغة جد متأخرة بالنسبة لبقية اللغات الأخرى آنذاك خاصة من الناحية النحوية والكتابية، ومن ناحية أخرى كانت السبب في تجمد هذه اللغة حيث أن هذه الفكرة منعتها من التطور والتحرر من المصطلحات الدينية التي أصبحت عائقا أمام التعبير الحر حيث أن الإسلام امتلكها وحده

لوعدنا لتاريخ ما قبل الإسلام، وكما هو معلوم أن اللغة العربية كانت لغة الأحرار من سكان الجزيرة العربية، لغة تعبر على داخل الإنسان البسيط الذي يعيش في الصحراء بعيدا عن كل ما تمليه بقية حضارات العالم من كره وحب، وحرب وسلم، وغزل وجنس، ونقد وفخر…حيث لا تلتزم بأي قواعد إلا قاعدة التناسق والرنة في الأذن وحسن التعبير لما في داخلنا من خواطر وأفكار حيث أبدعت في مجال الشعر والقصيدة رغم أنها كانت جد متأخرة من الناحية الكتابية و النحوية. فالمتكلم بها غير ملزم بإتباع قواعد نحوية وصرفية دقيقة وإنما له الحرية في التعبير بالزيادة والنقصان على حسب البداهة الموروثة والمتعود عليها إلى درجة إننا نجد قبل الإسلام العديد من اللهجات العربية تصل في بعض الأحيان إلى الاختلاف لدرجة نحسب أنها لغات مختلفة. اللغة العربية الأصلية أعطت لنفسها الحرية ولمن يتكلم بها أن يكون حرا وطليق اللسان وأن يخرج ما في قريحته من أفكار وأحاسيس تعبر عن ذاته أو عن قومه… يمكن لنا القول أن اللغة العربية كانت تعيش في جنة بعيدة كل البعد عن القيود الدينية والعلمية واللغوية التي كانت في اللغات الأخرى، بعيدة عن المسؤولية والتقيد، طائر حر يحلق فوق صحراء قاحلة.

اللغة العربية قبل الإسلام من ناحية الكتابة كانت لا تحتوي لا على نقط ولا على الشكل وتتكون من اثنين و عشرون حرفا فقط، كثير منها موروثة لا مفروضة. العربي يتعلمها من محيطه العائلي والاجتماعي ويترعرع فيها منذ صغره مثل كل اللغات الدارجة التي يضع قوانينها الشعب حيث يسمح هذا الأخير بأن تغير كل منطقة لغتها دون قيود على حسب طبيعة المنطقة وطبيعة سكانها. هكذا كانت اللغة العربية وجميع اللغات بصفة عامة.

إلى أن جاءت الأديان والإيديولوجيات التي فرضت نفسها على الشعوب تحت غطاء الحقيقة والدين الإلهي واستولت على بعض اللغات وغيرتها تحت غطاء التطور حتى تناسب أيديولوجيتها وتكون في خدمة أفكارها وهذا طبيعي وحصل لعديد من اللغات على فترة زمنية طويلة وبطريقة طبيعية انتهت في آخر المطاف بحصر هذه اللغة في إطار الدين مثل ما حصل مع اللغة اللاتينية وغيرها. اللغات التي لم تحصر في إطار الدين أو لم تحررت من إطاره أدخلت عليها تغيرات جعلتها مستعملة من طرف الجميع نتيجة ظهور أشخاص استعملوا مصطلحات دينية وأصبح أمر معمول به وعادي أن تقرأ نصوصا مثلا باللغة العبرية التي هي لغة دينية يهودية بعيدة كل البعد عن إطار الدين اليهودي ولا تمد له بصلة لا من بعيد و لا قريب وهذا ما نلاحظه في الكثير من اللغات الدينية التي تحررت من هذه القيود حتى أن الدين نفسه لم يعد قادرا على أن يتدخل فيها ويفرض عليها قيودا كعدم استعمال مصطلحات أو كلمات معينة, وهذا طبيعي وعادي في إطار التطور التاريخي والتمشي مع تطور الإنسان ومتطلباته

نعود الأن إلى لغتنا العربية المغلوبة على أمرها مثلها مثل شعوبها. لا يكفي أن هذه اللغة بعد أن استولى الإسلام عليها تم تجريدها من كل حريتها في التعبير, وزيادة على ذلك تم محو الآثار القديمة لهذه اللغة لدرجة إتلاف كل الإنجازاتها التي لا توافق وجة نظر الإسلام. وزيادة على ذلك تم تزوير الشعر الجاهلي كما ذكر طه حسين في مذكرته تزوير الشعر الجاهلي حيث طمست كامل حرية التعبير وتقييدت اللغة بالنص القرآني الذي يعتبر المصدر الأول والمنبع لهذه اللغة وكل التحديث الذي وقع لهذه اللغة بعد ذلك كان انطلاقا من القرآن من أجل إخفاء كل سلبياته والأخطاء التي يحتويها ,وذلك في فترة زمنية سريعة شارك فيها الجميع من أجل محو اللهجات العربية الأخرى وترك لهجة قريش وحدها بل ترك أسلوب عائلة محمد ومحمد نفسه. كالأخذ من لهجة إنسان وطريقته في الكلام و استخراج قواعد لغوية منها وتعميمها على الجميع وجعلها لغة رسمية, فإن كان هذا الشخص ينطق الحرف بطريقة مخالفة لقومه يجب على قومه أن ينطقوها كما ينطقها وإن كان يفهم كلمة بمعنى مخالف لقومه يجب على قومه أن يغيروا فهمهم للكلمة. هذا ما حصل للغة أو اللهجات العربية قبل الإسلام حيث أن الإسلام قضى عليها كلها ولم يترك لنا إلا لهجة محمد و اعتبرها اللغة العربية الأصلية وهكذا استحوذ الإسلام على اللغة العربية واختار لها ما يتماشى مع الدين الإسلامي, وتم فرضها كلغة رسمية للكتابة والتعبير ولغة الدين واللغة المقدسة التي لا يجب المساس بها أو إخراجها من الإطار الذي وضعت فيه.

ومن حسن الحظ أن الشعوب تمردت على هذه اللغة وأوجدت لهجات تتكلم بها يوميا بعيدا عن اللغة العربية التي يطلق عليها اللغة الفصحى من أجل الهروب ولو قليلا من هذه اللغة الخانقة لحريات التعبير. إن تطور اللغة الدارجة في العالم العربي كان نوعا من الهروب من قيود اللغة العربية الفصحى ,ومن حسن الحظ كذلك أن هناك من تمرد على هذه القاعدة من الكتاب والمثقفين العصرين من قيود الدين وكتبوا بهذه اللغة ما يخالف الدين في عدة مجالات ولكن وجدوا صعوبة كبيرة في توزيع وطبع ما كتبوه بل وجدوا صعوبة في المواصلة وعرفوا مضايقات شخصية إن لم نقل محاكمات لتمردهم على الدين واتهموا بالكفر والخيانة مما جعل الكثير منهم يلجئون إلى الكتابة بلغات أخرى من أجل التخلص من هذه القيود التي فرضها الدين عليهم وهذا لا يخدم مصلحة اللغة العربية التي سوف تبقى معزولة في إطار الدين الإسلامي.

تحرير اللغة العربية من إطار الدين اليوم أصبح واجبا وضرورة لو أردنا لهذه اللغة أن تبقى و إلا فإنها ستضمحل مثل ما هو الحال في لاتينية ,وهذا واضح حيث أن اغلب المثقفين يهربون من الكتابة باللغة العربية خوفا من قيود الدين عليها ونشاهد الكثير يوما بعد يوم يهربون من التعبير بها ,يجب أن يعرف الإسلام جيدا والمسلمين أن اللغة العربية لغة أسيرة الدين الإسلامي ويجب تحريرها منه بكل طريقة , شأنها شأن الشعوب العربية المضطهدة تحت هذا الدين المتسلط الذي يريد أن يتدخل في كل كبيرة وصغيرة في حياة الناس الشخصية. يجب أن يتوقف عن ذلك بأي أسلوب وأن يفهم أننا بشر وأننا أحرر وأن اللغة العربية ليست ملكه ونختم هذا الموضوع بالقول حرروا اللغة العربية من أغلال الإسلام.

محمد كريم العبيدي

Comments

comments

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here