fbpx

اخلاق الملحد والّلادينيه

يُتهم الملحد دائماً من طرف المتدين أنّه عديم الأخلاق، وكأنّ الاخلاق حكرٌ على الأديان فقط، وذلك لما تحتويه من تحريمٍ وتحليل وإباحة تقيّد المتدين أن يلتزم بها من خلال نصٍ مقدّس. نعلم كلّنا أنّ ليس كل المتدينين يلتزمون بما جاء في كتبهم كما أنّم يسمحون لأنفسهم بمخالفة النّص الدّيني باجتهاداتٍ شخصيّة تحلّل لهم الحرام وتحرّم لهم الحلال دون خرجهم من الدّين.

الأديان بأغلبها وخاصّةً الإسلام لا يهتم بالأخلاق بحد ذاتها وإنّما بالتّشهير والفضائح بين جمهور المتدينين، ولهذا تجد أنّ المتدين يهتم بعدم افتضاح أمره أكثر من مخالفة دينه والإمتثال للأخلاق الّتي وضعتها له عقيدته، هكذا يتفشى النّفاق في جمهور المتدينين، وأيضاً يبقى باب التّوبة مفتوح لكلّ من خالف دينه وأخلاق معتقده من خلال عقابٍ تشريعي ليعود ببراءة طفل  كأنه مولودٍ حديثاّ، فحسب الإسلام كلّ بني آدم خطاء وخير الخطّائين التّوابون؟

إذاً هل بالفعل الملحد والّلاديني عديم الأخلاق كما تدعي الأديان؟ هل الملحد والّلاديني أكثر أخلاقاً من المتدين كما يصفون أنفسهم؟ هل المتدين بالفعل إنسانٌ خلوق؟ أم أنّه بلا أخلاق كما يصفه الملحد؟ قبل أن نجيب على هذه الأسئلة يجب علينا أولاً أن نعرّف الأخلاق:

الأخلاق على حسب المنطق الآنساني هي منظومة قيمٍ يعتبرها النّاس بشكلٍ عام جالبة للخير وطاردةً للشّر وهي ميزةٌ نخص الإنسان عن غيره من الموجودات. لقد تطوّرت الأخلاق الإنسانيّة على مرّ العصور، فمنذ أن وعى الإنسان بوجوده وأصبح يعيش في مجموعاتٍ تشكّلت الأخلاق لديه مع الوقت على حسب درجة الوعي الّتي وصل إليها والظّروف والعوامل الّتي مرّ بها حسب زمانه ومكانه. هكذا الاخلاق عند الانسان ليست شيئاً جامداً بل هي شيء متغيّر ومتطور عبر الزّمان ودرجة الوعي والحضارة.

أمّا الأخلاق عند المتدين بصفةٍ عامّة جامدة لا تتطور لأنها صُبغت بالمقدس أي أنّها صادرةٌ من عند إله أو ربٍ أو حكيم. هذه القدسيّة المنوسبة لها أجدها من الخطأ وتجعلها صالحةٌ لكلّ زمانٍ ومكان لكونها صادرة من طرف الكمال الّذي هو المعبود أو الرّب ولا يصدر من الكامل إلّا الكامل، ولهذا بالنّسبة للمتدين الأخلاق هي الدّين والدّين هو الأخلاق وأن كل ما هو خارجٌ على الدين لا يمكن أن يكون إلّا عديم الأخلاق، رغم أنّنا نعلم أن كل الأديان الموجودة عندما ظهرت كانت الأخلاق ولم تقم إلّا بتبني بعضها وإنكار بعضها الآخر وإعطئها صبغة القداسة والصّفة الإلهية لتحافظ على صلاحيتها.

نبدأ بالإجابة على سؤال هل المتدين خلوق؟ طبعاً هنا سوف نكتفي بالإسلام الّذي يدعي قمّة الأخلاق وهو آخر الأديان الابراهيمية التي اعتمدت الوصايا العشرة:

الوصايا تجاه الله

  • لَا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.
  • لَا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلَا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لَا تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلَا تَعْبُدْهُنَّ.
  • لا تحلف باسم الهك باطلا.
  • اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ.

الوصايا تجاه القريب

  • أكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.

الوصايا تجاه المجتمع

  • لَا تَقْتُلْ.
  • لَا تَزْنِ.
  • لَا تَسْرِقْ.
  • لَا تَشْهَدْ شَهَادَةَ زُورٍ.
  • لَا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لَا تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلَا عَبْدَهُ، وَلَا أَمَتَهُ، وَلَا ثَوْرَهُ، وَلَا حِمَارَهُ، وَلَا شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ.

الوصيا الأربعة الأولى تجاه الرّب، والّتي نجدها تقريباً في كل الأديان. سواء آمنت بربٍ واحد أو عشرة وربّما لا تؤمن برب مطلقاً هذه مسائلة إيمانية لا دخل لها بالأخلاق أصلا، لكن المتدينون يعتبرون من لا يؤمن برب هذه قلة أخلاق ووفق وجهة نظرهم أن لا رقيب عليك أي أن الايمان برب هو من يمنع المؤمن أن يرتكب الجرائم وأن يكون الإنسان خلوقاً.

لكن عبر كل التّاريخ نجد المؤمنين بدين يرتكبون الجرائم مع أنفسهم أولاً وطبعاً مع كل من يخالفهم وهنا إجرامهم يكون أكثر قساوة لأنه مع من يخالفهم في الدّين، حيث نلاحظ هذا خاصّة عند المسلمين الّذين يسمحون لأنفسهم أن يكذبوا ويسرقوا وحتى يقتلوا الغير المسلم بحجّة أنّه لا يؤمن بدينهم وأنهم على حسب قرآنهم الآخرين كالحيوانات ويحق لهم قتلهم وبدون أدنى تأنيبٍ للضّمير لأن دينهم يأمرهم بذلك.

اذاً الايمان برب أو الإيمان بعدم وجود رب او عدم الإيمان مطلقاً ليس هي قاعدةً لتحديد الأخلاق ولا يمكن ان نعتمد عليها لكي نحدد الأخلاق. فالملحد واللاديني يكون خلوق مع الجميع تحت مبادئ أخرى لا يعرفها المتدين وهو التّعامل بالمثل فهو لا يرتكب تصرفاً غير أخلاقي مع أي انسان ليس لان رب قال له ذلك وإنّما لانه لا يحب أن يعامل بتلك الطريقة فهو يعامل الناس بالطريقة التي يحب أن يُعامل بها، أي أنّ الدّافع شخصي واقتناع داخلي ليس له علاقة مع ربٍ مراقب أو ربٍ آمر.

أما الوصية تجاه القريب لا أتصور أنّ لها علاقة بالإيمان بدين أو عدم الإيمان لأن هذه علاقة إنسانيّة عائلية، فقد يكون متدين بدين ولا يحترم أهله ولا والديه ويكون قاسٍ عليهم والعكس صحيح قد يكون ملحد أو لاديني وتعامله مع اهله ووالديه قمّة في الرّقي والأخلاق فهذا يعود إلى الشّخص وكيف تمت تربيته، والملحد لا يهتم بدين أهله بينما المتديّن يهتم بدين أهله ويمكن أن يتحوّل إلى وحشٍ لو لم يكن أهله من نفس الدّين. هذا ما نلاحظه في الإسلام كيف أن من الصّحابة من قتل ابنه ومن قتل أبوه لأنّه لم يدخل في الإسلام، وهذا نلاحظه اليوم في تعامل الوالدين مع أولادهم الذين خرجوا من الإسلام حيث يتحولون إلى وحوش ينكرون أولادهم ويتبرون وتشتّت أسرٌ بسب الدين واختلاف المعتقد. إذاً هنا الدّين ليس راعٍ للأخلاق الأسرية كما يدعون بل مُشتت وناشر البغضاء والكره بين الوالدين وأبنائهم أو العكس.

أما الخمسة الآخرين؛ لا تقتل لا تزني لا تسرق لا تشهد بالزور ولا تتعدى على ما هو ليس لك، فهي مبادئ إنسانية عامّة نجدها عند كل الشّعوب مهما كانت. فالنهي عن القتل والسّرقة وشهادة الزور والتعدي على الآخر هي أمورٌ متفقٌ عليها لكل البشر ولا تجد شعباً من الشّعوب مهما كان بدائياً إلّا ويؤمن بهذه المبادئ مع أو بدون دين، عند الملحد واللّادينين فهذه قواعد التّعامل بالمثل هو لا يريد من يقتله إذا هو لا يقتل وهكذا بنسبة لشهادة الزور والسرقة والتعدي على الآخرين ليس خوفاً من رب او التزاماً بدين بل مبادئ يؤمن بها ويطبقها في حياته اليومية، ولا يعني أن الملحد منزهٌ عن ذلك فهناك ملحدون كاذبون وسرّاق ومجرمون ويتعدون على الآخرين، وهذا لا علاقة له بعدم إيمانهم برب كما أن المتدينين علاوة على أن الكثير منهم يقوم بذلك ويعلم أنه مذنب بل يصبح القتل والتّعدي والكذب والسّرقة واجبٌ عندما يكون مع شخصٍ ليس من دينه بينما لا نجد هذا عندي الملحدين واللّادينين.

أما في ما يخص الزّنى مفهوم الزنى عند المتدين هو كل علاقة خارج الزواج او أنواع النّكاح المسموح بها، بينما عند الملحد والّلاديني عنده مفهوم آخر هو الاغتصاب أو التّحرش أو التّعدي بالقوة. أمّا عقد الزواج غير مهم بالنسبة له. المتدين قد يشتري المرأة ويتزوجها غصباً ودون رضاها ويأخذها من عند أبيها ويسمي ذلك اخلاقاً وقد تكون قاصراً ويتعدى عليها ويسمي ذلك أخلاقاً، بينما الملحد إنساني من المفروض أنّه ضد الاغتصاب والتّعدي والبدوفيلي والغصب… ولكن لا يعني ذلك عدم وجود ملحدين لا يملكون هذه الأخلاق، فهم فعلوا ذلك وفق لطبيعتهم الشّريرة ليس لإحادهم والمتدين يقوم بذلك باسم دينه. إذاً لا علاقة للدين وعدم الدين في التعامل الإنساني.

الخلاصة هل الملحد والّلاديني عديم الأخلاق كما يقول المتدينون؟ طبعاً لا. الاخلاق إنسانيةٌ قبل أن تكون دينيّة، وكما يقول المنطق هي على حسب الزّمان والمكان وعلى حسب درجة الوعي التي وصل إليها الانسان، إذا اليوم في هذا العصر ما هي الاخلاق لو أردنا ان نقول الوصايا العشرة للإنسان المعاصر:

  1.  لا تقتل، لا لحكم الإعدام لا للحروب لا للقتل مهما كان، القتل والعنف شيء غير مقبول أصلا وهو عمل غير إنساني راقي، لا يمكن أن يكون القانون عادلٌ لو مارس الإعدام.
  2.  لا تسرق، لا تسرق أي إنسان مهما كان لا تأخذ ما ليس لك حتى وإن وجدته ولا تعلم صاحبه لا يحق لك أخذ ما ليس لك هذه قاعدةٌ ذهبية ما ليس لك ليس لك.
  3. لا تكذب كن صادق، ليس هناك كذب مصلحة ولا الكذب على الزوجة مثل في الإسلام ولا كذب النّفاق، الكذب لا يقوم به إلّا من لا يتحمل المسؤولية. يجب أن تكون صادقاً في أقوالك وأفعالك ولا تشهد شهادة الزّور وكن عند وعدك وموعدك.
  4. لا تتحرش، لا تغتصب، لا تتعدى جنسياً على الآخرين مهما كان حتى بالنيّة، وخاصةً القُصّر. يجب أن ترتقي إلى درجة الانسان المسؤول والعاقل احترم الطرف الآخر ولا تظهر خلاف ما في داخلك لا تنوي الشّر مهما كان.
  5. احترم الآخر إنساناً كان أو حيوانا أو نباتاً أو جماد. احترام الآخر هو احترام لنفسك قبل كل شيء حيث كما تهتم بداخلك اهتم بخارجك مكان عيشك.
  6. آمِن بما يناسبك، غير مهم بما تؤمن المهم أنك بالفعل مؤمن ومقتنع بما تؤمن به. لا تقلّد غيرك ولا تؤمن بما يؤمن غيرك. كوّن معتقداً خاص بك على حسب طبعك ونفسيتك ومعرفتك واقتناعك… كن صادق في إيمانك على حسب تجربتك.
  7. اهتم بنفسك ولا تهتم بغيرك، إيمانك يخصك أنت لا تفرضه على غيرك لا أولادك ولا كل من حولك، لا تتدخل فيما لا يعنيك وفيما لا يخصك، لا تحكي على الآخرين بالسوء .قل خيراً أو اصمت.
  8. كن في مستوى المسؤولية لا تدعِ أنك أفضل من الآخرين، كل انسان له خصوصية. ابدع في مجال تخصصك وتعلّم من تخصّص الآخرين.
  9. تمتّع بحياتك ولا تحرم نفسك جرّب وإن أخطأت سوف تتعلم، ليس المهم أن تخطئ المهم أن تتعلم ولا تفقد الأمل، غامر، سافر، تمتع، عِش حياتك، اختبر الوجود لا تندم إلا على الّذي لم تختبره ولم تعرفه.
  10. أدعك تختار العاشرة أنت.

أخيراً نعم عرفت ملحدين ولادينين سراقٌ وأكثر وقاحةً في السّرقة من المتدين وعرفت كاذبين ومخادعين ومجرمين ومنافقين ومستغلين ومتاجرين وجهّال وغير محترمين وساقطين… ولكن هل هذا ذنب الالحاد؟ طبعا لا. هذا يعود لتربيتهم ومستواهم الأخلاقي المنحط، كما يقول المثل “إن لم تخجل ففعل ما شئت”. هذا النّوع تجده في المتدينين أيضاً أي يعتبر عملاً فرديا لا علاقة له بالتّدين أو عدم التّدين.

محمد كريم العبيدي

عن محمد كريم العبيدي

محمد كريم العبيدي أمازيغي تونسي مقيم بهولندا،مسلم سابق اتبع الان الإيمان الإلحادي على حسب الغنوصية، اتجاهي السياسي نصف تكنوقراط.

شاهد أيضاً

هل تم فعليا اكتشاف “مهد الإنسانية”؟

صدر من مجلة Nature العلمية المعروفة و الذي تناقتله كل المجلات خبر اكتشاف مهد الإنسانية …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: