fbpx
86 / 100

التلميذ في الغنوصية

السلام على من اتبع العقل ونبذ النقل وفكر، عسلامة

بعد الحديث عن أنواع المعلمين نتكلم في هذا الدرس عن التلاميذ أو المتعلمين أو الباحثين عن المعرفة أو من يريد اكتشاف ذاته.

الإنسان أو أي شيء في هذا الوجود المادي لا يظهر صدفة بل هناك ظروف وعوامل من أول الانفجار الكبير بل وقبل الانفجار تدخلت بطريقة أو بأخرى لكي يكون موجوداً الآن، ويعتبر محظوظاً. وجوده في هذا الوجود رغم أنه شاء أو أبى وعليه أن يواجه مصيره بوعي أو بدون وعي، وله كامل الخيار في اختيار درجة الوعي التي يريد أن يصل إليها في الطريق الذي يسلكه، وله الخيار بوعي ألّا يكون له وعي، ولكن ليس له الخيار بلا وعي أن يكون له وعي. من هنا تأتي الرغبة في التعلم واكتشاف الذات.

لا يدري الإنسان كيف حصلت له الطفرة لكي يعي أنه يجب أن يتعلم، ولكن ما هو أكيد أن هذه الطفرة سببها ظروف وعوامل وهي نوعين: إما ظروف داخلية نتيجة الحس القوي والتفكير الكثير والذي يكون مكتسباً أو موروثاً، وإما ظروف خارجية نتيجة المحيط العائلي والاجتماعي والمكان الذي ظهر فيه يجبر الإنسان بدون وعي في الرغبة في معرفة الذات. وللعلم أن عدد الواعين بضرورة معرفة الذات في تزايد مستمر بتطور الانسانية أولاً وثانياً بتزايد عدد البشر، ولكن الوعي بضرورة معرفة الذات لا يكفي لوحده مع الأسف، بدلالة أن هذه الرغبة تظهر لنا في حياتنا عدة مرّات؛ أولها في سن المراهقة ولكن المحيط الخارجي والقيود الاجتماعية وعديد العوامل الأخرى تنسينا هذا الواجب وهذا العهد الذي يميز الانسان عن بقية الموجودات.

نعم. قاعدة غنوصية:” معرفة الذات واجب إنساني ” أو “معرفة الذات عهد قطعته الإنسانية على نفسها ” ولا يمكن أن نعتبر أننا وصلنا الى الانسانية إلّا بتطبيق هذا العهد والسّير فيه، وكل شخص يرفض ذلك بوعي أو بدون وعي هو أقرب للحيوان منه للإنسان. هنا لا أقلل من قيمة الحيوان، فالحيوان يقوم بدوره كاملاً، وإنّما أقلل من قيمة من يدعي أنه إنسان ولا يرغب في معرفة ذاته ويتبع القطيع، وكما قلت إن الوعي يجب أن يصل إلى درجة معينة تجعل الشخص يعمل فعليّاً للتّعلم، وليصل الوعي لهذه الدرجة يجب الاستمرار في الوعي دون انقطاع إلى أن تصل إلى الجانب العملي الفعلي بإيجاد المعلم المناسب أو الباب المناسب الذي سوف تدخل منه لمعرفة ذاتك.

ليس هناك فرقٌ كبير بين الأسلوب القديم والأسلوب الحديث في البحث عن المعلم والطريق الذي يجب أن تسلكه، بل يمكن القول إن اليوم أصبح ذلك متاحاً للجميع بسهولة جداً، يكفي أن تصل للدرجة المطلوبة وتبدأ في البحث،

*أولى هذه الطرق أن تكون من أقارب المعلم أو القريبين منه أو مثل قديماً خدامه و حديثاً من معارفه ، و لكن في كل الأحوال يجب أن تنتبه إليه ، إذ قد يكون المعلم قريباً منك جداً و لا تنتبه له لأنه ليس لديك أية فكرة عن الموضوع و غير واعي بالبحث عن نفسك ، و يكون قريباً منك و لا تراه و لا تنتبه له.

*الطريقة الثانية و هي التي يطلق عليها بالمفهوم الديني القدر ، أو الظروف و العوامل بالمفهوم العلمي ، أو الصدفة التي تضعك في طريق المعلم دون أن تدري ، و هذه أقواها و أكثرها انتشاراً قديماً و حديثاً ، حيث تكون لك رغبة صادقة و فعلية للبحث من ذاتك ، الكون كله يشتغل لوضعك في طريق المعلم الذي يناسبك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

*الطريقة الثالثة هي المغامرة ، كما يقول المثل الفرنسي :” من لا يغامر لا يحصل على شيء” ، قديماً كان التلميذ يغادر أهله و ماله و كل حياته و يذهب للبحث عن المعلم. اليوم لا يحتاج إلى كل هذا الجهد، عليك أن تبحث عن الانترنت وتجرب المعلمين الذين تصادفهم إلى أن تصل إلى المعلم الذي يناسبك وتتعلم منه ويساعدك على اكتشاف نفسك. لكن هناك أيضاً الكثير من المشاكل يتعرض لها التلميذ من أول بحثه عن المعلم أو عن الباب الذي سوف يدخل وهذه المشاكل يمكن أن نسميها إغراءات أو شكوك أو حواجز أو غيرها تمنع التلميذ من الوصول إلى المعلم المناسب أو تضيعه في الطريق.

هناك شيء يمكن أن نطلق عليه القوة المادية أو الظلام، أو شيء آخر يعمل المستحيل كي لا نكتشف الجانب اللامادي، عبارة عن حجب أو سور أو حراس يضعون المصاعب في طريق التلميذ، وسوف أتكلم عن ذلك في المستقبل. هذه الحجب أو الحواجز أو الغيوم التي قد تمنع من التقدم أو حتى الضياع والابتعاد عن الطريق وبدل أن نجد أنفسنا، نجدنا أبعد ما يكون عن ذواتنا، وهذه بعض أنواع الحجب التي تجعلنا إما أن نتوقف عن البحث عن أنفسنا أو نضيع في الطريق:

– الحاجب الأول هو العقل : أهم و أخطر الحجب و العوائق و الذي يعتبر أهم شيء في العالم المادي الذي نحن موجودون فيه ، و الذي يبعدنا عن الطريق أو حتى يجعلنا نتوقف عن مواصلة البحث عن أنفسنا. سوف لن أتكلم هنا كيف ولماذا يخلق العقل حواجز كي لا نكتشف الجانب الباطني فينا وإنما سنتكلم عن ذلك عندما نتكلم عن العقل.

– الحاجب الثاني و هو ما يطلق عليه الحب الكاذب : خاصة عندما يكون المعلم مذكر و التلميذ أنثى أو العكس ، و هو الذي أطلق عليه الحب أو الرغبة الجنسية ، و هذه الحالة لا تقع في الغنوصية فقط بل في كل العلوم. الغلط أن يقع التلميذ في الحب الجنسي ويحسبه حبّاً حقيقياً، حيث يظهر بصفة الحب الحقيقي وهو كما قلت حب كاذب، والتخلص من ذلك يكون إما من طرف التلميذ نفسه حيث ينتبه إلى هذه المسألة أو أن المعلم ينتبه لذلك ويساعد التلميذ لكي ينتبه بدوره، ويعمل ما هو واجب حتى يبعد التلميذ عن هذا الإحساس. الحب قد يكون مثل حب الأم أو الأب أو الصديق أو القريب أو قد يكون إعجاب أو حب روحي، ولكن لا يجب أن يكون هناك حب جنسي كي لا يضيع التلميذ في البحث عن ذاته، وسوف نعود ونفصل هذه النقطة أكثر في الدروس القادمة، حيث أننا هنا نريد فقط أن نلفت الانتباه إلى الحجب التي يمكن أن تشوش المعرفة.

-الحاجب الثالث هو مشاكل الحياة :و الالتزامات و العمل و المسؤولية و العائلة و غيرها من الأمور التي تدخل فيها الأمور المادية و الحالات النفسية التي لا تسمح للتلميذ أن يتابع البحث عن ذاته ، حيث يشعر التلميذ أن ليس له الوقت الكافي للتعلم و يصل للاقتناع أنه لا يقدر أن يوقف بين حياته و بين التعرف على داخله و ذاته ، و هذه مغالطة و غير صحيحة ، حيث أن للإنسان الوقت الكافي مهما كان مشغولاً و يملك من وقت الفراغ ما لا يمكن تصوره ؛ قبل النوم ، عندما يشرب القهوة ، عندما يدخن سيجارة ، عندما يأكل ، عندما يستيقظ ، في الدوش ، في المرحاض ، في التنقل …

كل هذه الأوقات يمكن أن يستغلها التلميذ للتأمل بوعي.

كما قلت كل ما حوله يمكن أن يستفيد منه للتعلم والاستماع والانتباه وتقويه الوعي لديه. معرفة الذات لا يتطلب الكثير من الوقت في الحقيقة بل أهم شيء هو الاستمرارية والتواصل وأنت الذي تتابع هذا الدرس بمجرد استماعك أضفت لنفسك معلومة وأضفت لنفسك حس ففكر فيما أقول وسوف تكتشف الكثير لأني أنا في الحقيقة لست المعلم، بل المعلم الحقيقي هو أنت.

هذه الحجب الثلاثة أو الحواجز المهمة وهناك الكثير من الحواجز الاخرى أقل أهمية سوف نلفت الانتباه لها لاحقاً.

أخيراً أردت أن أذكر شيئاً مهماً وهو أن الإنسانية أول ما خرجت من عالم الحيوان تجبر أطفالها على تعلم ما يريده الآباء وما يتطلبه المجتمع الذي هم فيه. طبعاً هنا أتكلم في العلوم الدنيوية، فإن كان مجتمعاً فلاحياً يجبرون أولادهم تعلم الفلاحة. وإن كان مجتمع صيد يجبرون أطفالهم تعلم الصّيد، وكما يقول المثل:”ولد الحداد يصبح حداد وولد النجار يصبح نجار ” أي أن الطفل ليس له خيار في اختيار ما يريد أن يتعلم.

هذا الأمر تم التوصل إليه بوضع ما يسمى نظام التعليم الحديث الذي يسمح للطفل أن يكبر لكي يختار الشعبة أو الاتجاه الذي يريده، ولكن في مجتماعتنا للاسف التي مجتمعات أكثر قبلية وتحكمها العادات والتقاليد مازالت تؤثر على أطفالها في اختيار المهنة التي يريد أن يستغلها. لأن الإنسان عندما يختار المهنة التي يحبها يكون أكثر إنتاجاً وأكثر إبداعاً من أن تفرض عليه مهنة لا يحبها، وهذه مشكلة كبيرة للأسف في دولنا، حيث كثيرٌ من الناس يشتغلون في أعمالٍ لا يحبوها ولم يختاروها بأنفسهم، بل عائلاتهم أو المجتمع أو الظروف الاقتصادية أو غيرها هي التي جعلتهم يشتغلون هذه المهن.

الخارج يمكن يتدخل في حياتك الخارجية ولكن لا يمكن له التدخل في حياتك الداخلية.

إذاً البحث عن المعرفة الداخلية او الشخصية يمكن ان تقوم به دون أن يعلم أحد ولا أحد ينتبه إليك. وأخيراً أردت أن أقول إن أبواب المعرفة الغنوصية أو الذاتية مفتوحة للجميع مهما كان مستواه العقلي او الفكري او الاقتصادي او المالي او الاجتماعي او الجسدي مهما كان هي مفتوحة للجميع دون استثناء لمن يريد أن يتعلم.

اقرأ ايضًا : الدّرس 05 : هل أنا مُعلّم؟

Pin It on Pinterest