fbpx
89 / 100

 

الدّهر او الزمان والبداء في الغنوصية

السّلام على من اتبع العقل ونبذ النّقل وفكّر، السلام

بعد أن علمنا أنّ اللّغة والدّين الذي تربينا عليهم مهما كانوا يحتوون على الغنوصيّة الأصلية أي ليس في حاجة أن نغيّر الدّين أو نغيّر اللّغة لكي نتعلّم الغنوصيّة، بل الأسهل والأسرع هو أن نستعمل لغة الأم وديننا الذي ولدنا عليه لكي نصل إلى الغنوصيّة والتّحرّر كليّاً. أيُّ دينٍ مهما كان ما هو إلّا قشرة تختلف عن القشور الأخرى للبٍ واحد وهي المعرفة الغنوصيّة، وأيُّ لغةٍ مهما كانت ما هي إلّا قشرة تختلف عن القشور الأخرى للبٍّ واحد وهو الحس والشّعور الإنساني.

الغنوصيّة هي الوصول للّب وليس الانتقال بين القشور سواء كانت لغويّة أو دينيّة أو عقائديّة أو مذهبية أو غيرها. إذاً من يبدّل دينه أو لغته الأصليّة للوصول للمعرفة الغنوصيّة ما هو إلّا يضيّع وقته فقط، وهنا أتكلّم عن الغنوصيّة فقط لكي لا يُفهم كلامي بالخطأ، فأنا لا أقول لا تتعلموا اللّغات ولا أقول لا تبحثوا في الأديان وإنّما أقول بلغة أمّك و دينك هو أقرب طريقٍ للوصول للمعرفة الغنوصيّة.

أضرب لكم مثالاً بسيطاً من الواقع الذي عشته. أنا وُلدت سُنّي وذهبت للتشيُّع على أنّه الحقيقة، ضيّعت وقتاً كثيراً وتهت إلى أن عدت إلى التّصوُّف السّني وهنا حصلت لي المعرفة بسهولة، رغم أني لم أخرج من الدّين الإسلامي كليّاً وأنا أبحث عن الحقيقة ولكن أعتبر نفسي ضيّعت وقتاً كثيراً حتى خرجت من الأديان كلّها فما بالك بمن يتّبع ديناً آخر ويضيّع عمره كلّه في الأوهام؟ إذاً البدء في البحث عن المعرفة الغنوصيّة من الأفضل والأحسن والأسرع أن يكون من دينك ولغتك هذه حقيقة غنوصيّة.

قبل أن ننطلق في الفيديو الثّاني عن البدء أردت أن أقول أن كلّ أسئلتكم سوف يتم الإجابة عليها بالصّوت في فيديوهات خاصّة سوف تكون في ركنٍ من أركان القناة يطلق عليه “سؤال وجواب”. إذاً لا تتردوا في السؤال وسوف أجيب قريباً على كلّ أسئلتكم.

الذي يصارع من أجل الحياة أو الذي يكون مشغولاً لا يمكن أن ينتبه إلى الزمان ولهذا الذّكر الإنساني الأوّل الذي كان يذهب للصّيد ويحارب من أجل البقاء كان مثله مثل الحيوان. الذي وعى وفهم أهميّة الزّمان هي الأنثى التي كانت في انتظاره وتصبّر صغارها حتى يعود الذّكر بالصّيد الوفير. لهذا الأنثى هي أوّل من فهمت أهميّة الزّمان ووعت به. لهذا الوعي بالزّمان هو الذي أوصلنا إلى فكرة البدء. لا نعرف إلى هذه السّاعة أحداً غير الإنسان واعي بالزّمان، ومن وعى بالزّمان عرف البدء. هذه النّقطة جدّاً مهمّة يجب الانتباه إليها جيّداً، وهي علاقة فكرة البدء بالزّمان.

 تصوّر أن عنصر الزّمان غير معلوم بالنّسبة للإنسان فهل هناك إنسان؟ طبعاً لا. لكن مجرّد حيوان يولد ويموت ولا يعلم شيئاً. هناك كثير مع الأسف رغم أنّهم إنسان يعيشون حياة الحيوان. الزّمن بالنّسبة لهم مجرّد ساعة يلبسونها في يدهم أو يعلقوها على الحائط. الزّمان بالنّسبة لهم مجرّد عقارب تدور. الزّمان بالنّسبة لهم مجرّد وقت يمر على شكلٍ دائري لا أكثر ولا أقل. الوعي بأن الدّوران ليس مجرّد دائرة بل هو لولبي هو الذي غيّر الكينونة الإنسانيّة. هناك فرقٌ بين دوران السّاعة الأولى والسّاعة الثّانية والسّاعة الثالثة، وهناك فرقٌ بين دوران الساعة اليوم ودوان الساعة غداً.

كما هناك فرقٌ بين طلوع الشّمس اليوم وطلوع الشّمس غداً. الشيء نفسه في الظّاهر قد لا يلاحظه أيّ شيءٍ غير واعٍ أو غير منتبه مثل الحيوان، ولكن بين الشّروق والشّروق هناك زمن.

هذا الزّمن هو الّذي وعت به الأنثى في الأوّل ونقلته للذّكر فأصبحت الإنسانيّة واعيّة بالبداية وبالنهاية. بالأول وبالآخر. ومن هنا بدأ الإنسان ينظر ما حوله لكي يفهم بداية الأشياء ونهايتها، ومن هنا بدأت الإنسانيّة قبل مئات الآلاف من السّنين، وبدأت تخرج من عالم الحيوان نحو عالم الإنسانيّة؛ حيث أن النّوع الإنساني بدأ يتفرّع كنوعٍ مستقل عن عالم الحيوان، كما أنّ الحيوان بدوره تفرّع عن عالم النّبات قبل مئات الملايين من السّنين، والنبات بدوره تفرّع وخرج من عالم الجّماد، فأصبحت الأرض التي نحن عليها بعد أن كانت مجرّد صخرةٍ فقط ومجرّد جماد إلى جمادٍ ونباتٍ وحيوانٍ وإنسان. هذه الأرض التي موجودون فيها.

إذاً السّؤال الّذي يُطرح بين الأديان والإلحاد المادي حول أصل الإنسانيّة: هل أصلها حيوان أو موجود مستقل؟ تجيب عليه الغنوصيّة بكل وضوح وتقول: إنّ الإنسان تطوّر وخرج من عالم الحيوان بجسمه، ولكن لبّه مستقل كليّاً عن الحيوان، ولهذا يُعتبر كياناً قائماً بذاته وليس كما يدعي الإلحاد المادي وجسمه تطوّر عن طريق عالم الحيوان وخرج منه ليس كما تدعي الأديان أنّه خُلق بأيدي ربٍ أو إله مهما كان.

فكرة الخلق بصفةٍ عامّة بالمفهوم الدّيني ليس لها وجودٌ أصلاً في الفكر الغنوصي، وإن وُجدت فهي تستعمل على أساس مفهوم الظّهور وليس الخلق بالمفهوم الدّيني، وحتّى الأديان التي تتكلّم عن الخلق في الحقيقة لا تتكلّم عن الخلق كما يتصوره عامّة النّاس، بل خلقٌ من شيء، بل خلقٌ من مقدّمة، وكانت دائماً هناك مقدّمة لكل شيء، وما هذه المقدّمة إلّا مؤخرة لشيءٍ آخر.

إذاً عندما بدأت الإنسانيّة وعيها بالزّمان علمت أن هناك بداية ونهاية لكل شيء في الوجود المادّي، وهنا بدأ الرّعب والخوف والارتباك. كيف يمكن العيش بعد معرفة هذه الحقيقة؟ كيف يمكن التّمتع بالحياة وأنا أعلم أني سوف أموت؟ كيف يمكن أن أعمل وأكوّن وأن أبني وأنا أعلم أني سوف أترك كل هذا لغيري وسوف لا آخذ معي شيئاً؟

في الحقيقة هذه الحقيقة ترعبنا اليوم ونحن متطورين جدّاً عن الذي من قبلنا منذ مئات الآلاف من السنين. فكيف حال الإنسان الأوّل عندما علم هذه الحقيقة! كيف حال الأم عندما علمت أنها سوف تموت وتترك أولادها بعد موتها؟

من هناك بدأت الغنوصية، ومن هنا بدأ الإنسان، ومن هنا بدأ البحث عن المعرفة، ومن هنا بدأ البحث عن الحقيقة، ومن هنا بدأ الإنسان عبر الزّمان وعبر الأيام ومئات الآلاف من السّنين ينظر ما حوله ويقارن بين الأشياء ويحس الأشياء إلى أن وصل إلى وعي بكلّ ما حوله فوق هذه الأرض، ثم رفع رأسه للسّماء فنظر إلى الشّمس وإلى القمر وإلى النّجوم وكل ما حوله في الكون الفسيح.

ففهم أنّ الشّمس تنير الليل وأن الليل يُضاء بالقمر، فمثّل ذلك بالنّار التي تمّ ستأنسها بعد أن كانت بالنّسبة إليه مصدر رعبٍ، وحول النّار علم أن وراء كل هذا الوجود بداية، وهذه البداية يجب أن تحتوي كل شيء يظهر قبل النّهاية. حيث البداية هي بداية الزّمان لظهور الأشياء من الأوّل. هذا الأوّل ليس هو الزمان. هذا الأوّل مستقل عن الزّمان، ولكن في الزّمان تظهر الأشياء التي فيه إلى النّهاية، وهذا الأوّل هو الّذي نطلق عليه اللوغوس باليونانيّة.

الدّهر او الزمان والبداء في الغنوصية

الدّهر او الزمان والبداء في الغنوصية

الإنسان في الأوّل وعى بالزّمن أو البداية والنّهاية، واعتقد أنّ الزّمن هو الرّب وهذا نجده في ديانة قديمة قبل الزردشتيّة بل هي ديانة جدّاً قديمة تتكلّم عن هذا النّوع من الاعتقاد الذي يقول على إن الزّمان هو الرّب وهذا الرّب يطلق عليه “زوران”. هنا وقع لّبسٌ عند الإنسان الأوّل حيث اعتبر الزّمان هو الرّب. فكما قلنا إن أي فكرةٍ إنسانيّة مهما كانت قديمة يمكن أن نجد لها آثار الآن مثل هذا المعتقد الذي يؤمن بالرّب زوران أو الإله زورقان.

وزوران هو الوقت وهو الخالق الأعلى أو الأكبر .الإله الذي خلق إله الخير وإله الشّر، أي هو الرّب الأوّل، أي هو اللوغوس، وهو إله ليس مذكر ولا مؤنث، ولا خير ولا شر، إلهٌ محايد دون عاطفة ويمكن أن تتعرفوا أكثر على هذا المعتقد ببحثٍ عن الدّيانة الزّوزانية أو الزّمنيّة

وهم نفسهم الذي ذكرهم القرآن في الآية 24 حيث تقول :”وقالوا ما هي إلّا حياتنا الدّنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلّا الدّهر وما لهم من بذلك علم إن هم إلّا يظنون” وهذه الدّيانة كانت معروفة في الجزيرة العربيّة قبل الإسلام ولهذا ذكرها القرآن وكان يُطلق عليهم الدّهريون الذين يؤمنون بالدّهر فقط. وهنا رغم أنّ القرآن يقول أنّهم يتخيلون ويتوهمون نجد أن هناك حديثاً قدسي يؤكّد قولهم يقول :”لا تسبوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر”.

وهناك حديثٌ آخر يصحّح الخطأ بالاعتراف صريحاً أن الله هو الدّهر يقول:” يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدّهر وأنا الدّهر أقلب اللّيل والنّهار”.

إذاً خلاصة هذه الفيديو إن فكرة أن الدّهر أو الزّمن هو اللوغوس هي فكرةٌ خاطئة وإنّ الغنوصيّة تؤمن أنّ الزّمن هي حركة اللوغوس ليس اللوغوس نفسه، مثل أن حركتي أنا أو حركتك أنت ليس أنت.

هكذا وصلنا إلى آخر الفيديو حيث الشيء العملي والفعلي من هذا الفيديو غير فكرة أن الزمن ليس اللوغوس هو أن وعي الإنسان الأوّل بالزّمن تُعتبر اليوم فكرة بديهيّة للإنسان المعاصر وأمور بسيطة جدّاً ومألوفة لدينا ،وقد لا ننتبه إليها أصلاً ،ولكن علينا أن نقوم بنفس هذه التّجربة الإنسانيّة الأولى ونعي بكلّ ذلك بأنفسنا وفي حالة تأمّل بيننا وبين ذواتنا ،نتذكّر من نكون ونتذكّر كيف خرج الإنسان الأوّل من عالم الحيوان إلى عالم الإنسانيّة ،ونتذكّر بوجودنا كأفراد، وهي عبارةٌ على وقفة تأمّل واستراحة من هموم الحياة التي حولنا التي أنستنا من نكون وماذا علينا أن نفعل.

أي نعود إلى إنسانيتنا الأولى التي تسعى إلى التّطوّر والتّقدّم ولا للخضوع للمألوف والموروث. إلى إنسانيتنا التي تجعلنا أكثر ابتعاداً عن عالم الحيوان وأقرب إلى عالم الإنسان كمرحلة أولى نحو مرحلةٍ أكبر فأكبر، وما هو أكيد أن أغلب من يسمع هذه الفيديوهات هو باحثٌ عن المعرفة إذاً قام بهذه الوقفة. قام بوقفة التّأمل بينه و بين نفسه ووعى بعنصر الزّمن وأهميّته وهو الآن يبحث عن البداية والنّهاية، ولكن أيضاً يبحث عن ذاته بين هذه البداية وتلك النّهاية، ولكن هو في حاجةٍ دائماً إلى وقفة تأمّل فيما حوله وفي داخله بحيث أن كل يومٍ يمر يزداد معرفةً، ويزداد إحساساً بالمعرفة، وهذا يجعله أكثر وعي بذاته.

شكراً على المتابعة. شكراً على الاستماع. شكراً على التّشجيع، وشكراً على التّوزيع، ومع فيديو قادم ومع السلامة.

اقرأ ايضًا : الدرس 02 : الدهر او الزمان والبداء في الغنوصية

Pin It on Pinterest