fbpx

اللّادينيون في تونس و مشاركتهم في الحياة السّياسية

مما لا شك فيه أن التّيار اللّاديني الإنساني المدني في تونس هو ظاهرةّ جديدة على السّاحة السياسية، حيث بدأ يظهر ويتحرك بعد الانتفاضة التونسية 2011، ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن موجوداً من قبل، فلطالما كان موجوداً ولكن على شكل أفراد ومجموعات صغيرة ليس لها تأثير وأغلبها من الطّبقة المثقفة التي لا تعلن عن نفسها صراحةً وتبتعد كليّا عن الحياة السّياسية وتفضل غالباً الهجرة خارج تونس للعيش حياة كريمة بعيداً عن التّستر كي لا تتهم بالكفر.

مع تزايد أعدادهم خاصةً في العشرين السنة الأخيرة وخاصة بعد القسط من الحرية التي حصلت عليه تونس في السنوات الأخيرة، أصبح لهؤلاء وزنٌ داخل الجمعيات المدنية والحياة الاجتماعية التونسية وحتى بنسبة ما في الحياة السّياسية ولكن تحت سقف الأحزاب السياسة الموجودة سابقاً. في عام 2014 كان هناك محاولة لجمع اللّادينيين تحت حزب موجود سابقاً تم تبديل اسمه، لكنّ المحاولة لم تنجح وذلك لأن رئيس الحزب الّذي اشترى الحزب وحاول جمع اللّادينيين لا علاقة له بالّلادينيّة اصلا. كان مجرد سمسارٍ فساد أراد المتاجرة باللادينين من أجل مصالحه الخاصة الغير شريفة، وهذا حال أغلب السّياسيين المتواجدين في تونس مهما كان توجّههم فهم يتاجرون بالإسلام والقومية والوطنية… وما الذي يمنعهم من المتاجرة باللادينية خاصّة بعد ان أصبحا لها وزناً؟ وهذا ما فعل، ولكن انسحب اكثرهم ووقع التشتت.

دعونا يا أصدقاء نحاول قراءة الوضع السّياسي في تونس والتيارات الموجودة على السّاحة وكيف تعامل معها اللّادينيون خلال السّنوات الأخيرة إيجاباً وسلباً، وما هي آفاق المستقبل المطروحة والمخارج التي تسمح لهم بأن يكون لهم مشاركة فعالة في بناء مستقبل تونس، خاصةً بعد ما أصبح لهم اليوم وزنٌ لا يستهان به، ويعتبرون صوت المستقبل الإنساني المشترك الّذي هو مستقبل البشرية بعيداً على التّجاذبات الإيدلوجية والدينية والقومية…

إذا ما عدنا لتاريخ قبل الاستقلال عندما بدأت الحركة الوطنية بالتّشكل والتي كانت تطالب بالاستقلال العسكري ورفع الحماية الفرنسية التي جاء بها الأتراك المستعمرون لتونس في ذلك الوقت؛ حيث أنّ الباي وحاشيته والمقرّبين إليه من الفرانكوفيين والأثرياء والمثقّفين كانوا مع فكرة بقاء الحماية الفرنسيّة في تونس وضدّ التحدث عن أي استقلال مهما كان.

نرى في شهر مارس سنة 1920 بداية ظهور أول حزبٍ وطني تونسي تحت اسم الحزب الحر الدّستوري التونسي الذي تطور عن حركة الشباب التونسي التي نشطت وقُمعت قبيل الحرب العالمية الأولى.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية بدأت تظهر في العالم حركة ضد الاستعمار وتطالب بتحرر الشعوب وحقها في تقرير مصيرها بالإضافة إلى تنامي حركات التحرّر في العالم. قام العديد من الشباب الوطنيين التونسيين بالتحرك والتقدم بعدد من المطالب الوطنية بقيادة عبد العزيز الثعالبي بالإضافة إلى العديد من الشخصيات مثل صالح فرحات، محيي الدين القليبي، أحمد توفيق المدني، أحمد الصافي، أحمد السقا، علي كاهية، محمد المنصف المنستيري والحبيب زويتن… وكانت أهم أربع مطالب تقدموا بها:

  1.  إرساء نظام دستوري .
  2.  الفصل بين السلط الثلاث.
  3.  ضمان الحريات والمساواة.
  4.  إجبارية التعليم.

وهي مطالب وُجهت للحكومة الفرنسية وتحت الاعتراف بنظام الحماية، حيث أن تلك المطالب لم تجد لها صدى لدى السّلطات الفرنسية بل أدت إلى انشقاقات في الحزب أضعفته من الداخل، هذا وقد ضغطت فرنسا على مؤسس الحزب ليغادر تونس.

رغم ذلك وصل أنصار الحزب العمل في عدة مجالات ولم يضعف غياب الثعلبي من الحركة الشبابية التي كانت تأمل بالتغيير أكثر من الاستقلا الكامل.

في مؤتمر الحزب في شهر ماي سنة 1933 ضم الحزب كثيرا من العناصر الشّبابية من بينهم محمود الماطري والحبيب بورقيبة الّذين لم تعجبهم سياسية الحزب التي تكتفي بالعمل تحت نظام الحماية الفرنسية دون المطالبة بالاستقلال الفعلي عن فرنسا وحق التونسيين بالسّيادة على وطنهم. أدّى ذلك لانسحابهم مع كثيرٍ من شباب الحزب الفعال ليؤسسوا في 2 مارس 1934 حزبا جديداً عُرف باسم الحزب الحر الدستوري الجديد متميزاً بذلك عن الحزب القديم.

في سنة 1937 عاد عبد العزيز الثعالبي إلى تونس ووقعت محاولةٌ لتوحيد الحزبين ولكنها لم تنجح، وتحولت إلى صراعٍ مفتوح بين الحزبين إلى أن وقفت الحماية الفرنسية مع الحزب الدستوري الحر القديم وسجنت قادة الحزب الدستوري الجديد وعلى رأسهم الحبيب بورقيبة.

شارك الكثير من قادة الحزب القديم خلال الحرب العالمية الثانية في حكومة الباي وقُدمت لهم مناصب وزاريّة. طالب الحزب بعد انتهاء الحرب و في اوت 1946 بقيادة القاضي العروسي حداد إلى جانب الحزب الدستوري الجديد والاتحاد العام التونسي للشغل والمستقلين والزيتونيين بالاستقلال التام عن فرنسا.

لم تفلح كل محاولات استعادة الساحة السياسية التي بذلها الحزب الدستوري الحر القديم وأخذ الحزب الدستوري الجديد يتوسع بعد أن انضم إليه كثير من الناشطين من الحزب القديم إضافةً إلى الكثير من الشّباب الفعّال والمثقف الذي أصبح يرى في المقاومة الطريق الوحيد للاستقلال الكلي عن فرنسا. كان الحزب الدستوري الجديد واضحاً في أهدافه في الاستقلال الكلي عن فرنسا واتخاذ طريقٍ ثوري من أجل تحقيق ذلك مهما كلف الأمر.

في شهر أبريل 1955 انضمت للحزب الدستوري الحر الجديد أعداد كبيرة وخاصة من الوجوه الشابة الثورية ومن الصفوة والمثقفين والفلاقة… وطبعا كثير من العناصر الناشطة والمأثرة في الحزب الدستوري القديم، وأصبحا بورقيبة الوجه البارز في الحزب مع صالح بن يوسف وشخصيات أخرى معروفة.

أنّ بورقيبة كان مبهورا بالغرب وهذا عائد إلى تعليمه الفرانكفوني، فهو محامي تكوّن في العشرينات وناضل بدوره من أجل تونس، في سنة 1934 وفي عمر الواحد والثلاثين أسّس بورقيبة الحزب الدستوري الجديد، الذي كان يطالب بالاستقلال العسكري الكلي لتونس عن فرنسا ولكنّه يعتبر في نفس الوقت فرنسا نموذجا جديرا بالاتّباع. وكحليف للغرب أعتبر تونس دولة في طريق النموّ ووجب جلب المصالح الفرنسيّة وتمثيل تونس كحليف أكيد لأوروبا. ولكن وجب أيضا الحفاظ على مبادئ المجتمع التونسي والاخذ بعين الاعتبار مكوّنات الشعب الثقافيّة والحضاريّة والتي لا يمكن أن تتوفّر الا بتوفّر استقلال إقليمي عسكريّ للبلاد.

لقد قدّمت البورقيبيّة الشيء الجديد. فكرة الاستقلال العسكري دون إحداث شرخ اقتصادي وثقافي وحّدت بين المثقّفين وبين الحداثيين والقوميين. حسب رأي بورقيبة، ما يمنع تونس من الالتحاق بمصاف الدول المتحضّرة هو الإسلام الراديكالي العتيق. يجب التقليص من أهميّة المدارس القرآنيّة وفسح المجال لتعليم على نموذج الغرب.

منذ الاستقلال وقع التركيز على تطوير نظام التعليم. المبلغ المخصص للتعليم الوطني لم يتوقّف عن الارتفاع حتى بلغ 32 في المائة من ميزانيّة الدولة سنة 1976. وأصبح التعليم عموميّا للجميع، كما أنّه إجباريّ ومجانيّ. في عهد الحماية كانت تضاهي تكلفة التعليم في تونس تلك الموجودة في فرنسا، فاقتصرت بذلك على شريحة الطبقات الثريّة والمرفّهة للبلاد، فجعله بورقيبة مبثوثا في كامل أنحاء الجمهوريّة بما فيه مناطقها الداخليّة الفقيرة.

إضافة إلى هذا، فإنّه برمج في نظام التعليم الوطني دراسة الإسلام كمادة تاريخيّة، مُقلّصا بذلك تأثير المدارس القرآنيّة. المؤسّسة العصريّة، التي أحدثها مزج فيها بين القوانين الإسلاميّة والقوانين الوضعيّة. ووضع حدّا لتأثير الدين على القضاء بإدماج دراسة الحقوق المدنيّة.

صراعاً داخل الحزب في طريقة العمل وصراعاً على القيادة خاصة بين صالح بن يوسف والحبيب بورقية، حيث أن لهذين الشقين نظرة مختلفة؛ فصالح بن يوسف أقرب للشرق ومع فكرة بقاء تونس في الحضيرة العربية الإسلامية، أمّا شق بورقيبة الذي لم يكن ضد البقاء في الحضرية العربية الإسلامية لكنّه كان يدعو للأمة التونسية حيث يرى أن الوحدة العربية لا يمكن أن تكون دون أن تستقل كل دولة على حدى وتحقق إنجازات في التقدم وتحصل على الاستقلال الكلي، و ذلك لا يكون إلّا بالقضاء على الفكر التقليدي البالي والتّعلم من الغرب وتشجيع العلم والتعليم، فمن وجهة نظرته إن معركة تونس بعد الاستقلال هي معركة ضدّ الجّهل والتخلف قبل كل شيء ولا يكون إلّا بتشجيع التعليم.

يتبع…

عن محمد كريم العبيدي

محمد كريم العبيدي أمازيغي تونسي مقيم بهولندا،مسلم سابق اتبع الان الإيمان الإلحادي على حسب الغنوصية، اتجاهي السياسي نصف تكنوقراط.

شاهد أيضاً

هل تم فعليا اكتشاف “مهد الإنسانية”؟

صدر من مجلة Nature العلمية المعروفة و الذي تناقتله كل المجلات خبر اكتشاف مهد الإنسانية …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: