fbpx

اللّادينيون في تونس و مشاركتهم في الحياة السّياسية

في سنة 1958 تحوّل التعليم العربي في جامعة الزيتونة  نفسها من تعليم مقتصر على اللغة العربيّة وحدها إلى تعليم ثنائي اللغة.

منع  تعدّد الزوجات ودعا إلى المساواة بين الجنسين متجاهلاً فقط موضوع الإرث. واقترح على النساء عدم ارتداء السفساري،  اللباس التقليدي المحتشم للمراة التونسية في ذلك الوقت قبل ان يظهر الزي اللاسلامي الاخواني، وأصبح لهن الحق في الانتخاب منذ 1957 وهو شيءٌ لم يعرفه العالم  الإسلامي منذ ظهوره للوجود.

هذه الإنجازات التقدّميّة، مازالت إلى يوم مصدر فخرٍ كبير للتونسيّين، فهي في النهاية صفعة قويّة للعقليّات المتحجّرة ذات الإرث الماضوي المتخلّف والرّجعي المتسبّب في الفقر والجهل.

استهدف بورقيبة أشدّ النّقاط حساسيّة في الشّعائر الدينيّة لأرض الإسلام، ألا وهي الإفطار في رمضان، ففي الخامس من فيفري 1960 وبعد مُضي ثلاثة أسابيع في شهر الصيام، توجّه بخطاب مباشرٍ لإطارات الحزب الدستوري الجديد، الحزب الوحيد في البلاد حينها، وقال لمستمعيه أنّه من حقّهم تأويل القرآن مستشهداً بالرّسول نفسه الذي أفطر شهر رمضان حتى ينتصر على أعدائه: « أنا  أيضاً آمركم بالإفطار حتى تنتصروا على العدوّ. عدوّكم الآن، الفقر والحرمان والذلّ والانحطاط والتخلّف… في اللحظة التي نفعل فيها نحن المستحيل للزيادة في الإنتاج، يسقط خلال شهر كامل كلّ ما شيّدناه وتبلغ قيمة الإنتاج مستوى الصفر… إذا كنتم عسكريّين أو موظّفين أو طلبة… أطالبكم بالالتزام بواجبكم… ساعات العمل الإداري والتوقيت المدرسي لن تتغيّر من أجل رمضان… أنا لا أفعل إلا تأويل النّص القرآني وأعلن أنّ هذا رأيي الشخصي وإذا كنتم لستم مقتنعين به، فأنتم أحرار في عدم تبنّيه…»

هكذا قدّم بورقيبة تأويله الخاص للإسلام وهو رأي أثّر فيه مؤمنون آخرون تتماشى أفكارهم ومفهوم التطوّر. فبالنسبة له حارب محمد من أجل قبائل متطاحنة ومتحاربة فيما بينها، أمّا حربه هو وحرب الشعب التونسي فهي ضدّ الجهل والخرافات.

ورغم المظاهرات التي اندلعت ضدّ إفطار شهر رمضان في 17 جانفي 1961 وخاصّةً في مدينة القيروان والتي اتخذت منحىً دمويّا، فقد طالب بورقيبة مواطنيه في فيفري في نفس السّنة بترك الصيام ومقاومة التّخلف وفي شهر مارس وأثناء فترة الصّوم بالذات، شرب كأس عصير برتقال في بثٍ مباشر على التلفاز في وضح النهار.

منذ ذلك اليوم التاريخي لم تأتِ الجُرأة من أيّ قائدٍ مسلم أو زعيم لدولة مسلمة أن يهزّ التّقاليد تلك الهزّة التاريخيّة.

لقد طوّرت هذه السياسة من التونسيين  وأصبح بورقيبة يُعرف كأبٍ لتونس الحديثة، ولكنّ هذه السّياسة  أيضاً هي ما تسبّب في قُرحة حارقة في معدة المحافظين والإسلاميين والعروبيين. رأى شيوخ الزيتونة في ذلك خلخلة مزعجة لقبضتهم الدينيّة المسيطرة على جموع الشعب. كان بورقيبة في نظرهم عدوّ الله  وباع البلد إلى الغرب وسوف يهدم الهويّة العربيّة الإسلاميّة ويجتثّ جذور شعبنا .

متناسين أنّ تاريخ تونس ليس محصوراً بالفترة الإسلاميّة العربية، التي على العكس، لم تفعل إلاّ أن قطعت تونس عن جذورها الأمازيغية وتاريخها المتعدّد الثقافات والحضارات لتفرض عليها ثقافة وحيدةً، هي ثقافة دين العرب والاسلام العروبي. 

ظهرت في تلك الفترة  أيضاً ما يُعرف بتيّار القوميّة العربيّة القادم من مصر، وهو من أشدّ المعارضين لبورقيبة وسياسته ولكن  الأخير ربح المعركة ودمّر ما يُسمى بالحركة اليوسفيّة «صالح بن يوسف»  الذي أراد أن يزرع نواة العروبيّة من جديد في تونس بعد أن زُرعت في العديد من البلدان الأخرى.

فضل بورقيبة التّقدم والتّطور كأولية على توحّد العالم العربي، أراد أن تكون المعركة معركةً ثقافية واقتصاديّة، فبعد معركة التعليم والنّجاح فيها، كما النّجاح في المعركة الاقتصاديّة، كان يحضّر لشعبه  مرحلة ثالثةً وهي الديموقراطيّة.

يمكننا أن نقرأ تاريخ بورقيبة على أنّه تاريخ الأب الصّعب لتونس، بتعبيرٍ آخر هو ديكتاتور جيّد في البداية يوجّه البلد نحو هدف واحد : إنشاء بلد ذو سيادة ضمن حدوده الترابيّة والجغرافيّة.

كانت تونس قبل انتصاب الحماية الفرنسيّة تنتمي للامبراطوريّة العثمانيّة وكانت نوعا ما ولاية مستقلّة. أحدث الوزير خير الدين باشا تغييرات جذريّة على نظام التّعليم، حتى تنفتح البلاد على الغرب بغرض الاندماج في منظومة أسواق الدول الغربيّة وهذا ما شجّع فرنسا لفرض حمايتها على تونس في ما بعد وبالتالي كان للفرنسيين تأثيرٌ كبير على عقليّة التونسيين.

رغم ذلك لم تتمكّن فرنسا  في عهد الحماية الفرنسية لتونس بسبب المعارضة الشديدة للإسلاميين وعلماء الزيتونة وبفضل تسرّب العلوم الصّحيحة داخل الجامعة، فقد برزت مجموعةٌ مرموقة من المثقّفين، من أمثال محمّد الطاهر بن عاشور  والطاهر الحدّاد  وثلّة آخرين سعوا  إلى اجتراح طريق متوازن بين ضرورتين: ضرورة التطوّر وضرورة المحافظة على الهويّة الثقافيّة. التونسيّون أنفسهم، تبنّوا إراديّا بعض ملامح الثّقافة الأوروبيّة رغم إصرار الإسلاميين على تحميل المسؤوليّة كاملة لبورقيبة.

سياسة بورقيبة رغم أنها لم تكن بالعمق التّشريعي والقانوني في مدنية الدولة وخاصة البند الأول من الدّستور الذي يجعل من تونس دولة إسلامية عربية وهذا البند فرضته فرنسا على أغلب الدّول المتكلّمة بالعربية كي تقطع الطريق أمام المد الشيوعي الذي كان يزداد بقوة في شمال إفريقيا والشرق الاوسط، لكنّه كان ذا تأثير على الطبقة المثقّفة وفي عمق المجتمع التونسي مما أقنع شريحة كبيرة من المجتمع التونسي بمشروع الحداثة. رغم أنّه أهمل المناطق الدّاخلية، لكن بالنسبة لحجم تونس يعتبر أنّه كسب حصانةً لا بأس بها من المجتمع التونسي تمنع السيطرة الكلية للفكر الإسلامي  العروبي على أجهزة الدولة التونسية في ذلك الوقت.

سبّب هذا معارضةً قوية لبورقيبة وسياسته نظراً لسنّه المتقدّمة وعدم تمكنه من تحقيق مشروعه وظهور القوة الياسرية في تونس وظهور الإسلاميين والعروبيين الذي هم ورثة حركة صالح بن يوسف وشيوخ الزيتونة في السبعينات والثمانينات، فرغم عداوة بورقيبة للإسلاميين والعروبيين إلّا أنّه سمح لهم بالتّحرك والنّشاط خاصة في الجامعات لمواجهة الخطر الآخر الذي هو الخطر اليساري، فدخلت البلاد في صراعاتٍ كبيرة بين اليسار والإسلامين والبورقبيين وانتهت بالانقلاب الذي قام به بن علي بمساعدة الإسلامين ضد بورقيبة وأخذه للحكم في نوفمبر سنة 1987.

يتبع…

عن محمد كريم العبيدي

محمد كريم العبيدي أمازيغي تونسي مقيم بهولندا،مسلم سابق اتبع الان الإيمان الإلحادي على حسب الغنوصية، اتجاهي السياسي نصف تكنوقراط.

شاهد أيضاً

هل تم فعليا اكتشاف “مهد الإنسانية”؟

صدر من مجلة Nature العلمية المعروفة و الذي تناقتله كل المجلات خبر اكتشاف مهد الإنسانية …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: