fbpx

اللّادينيون في تونس و مشاركتهم في الحياة السّياسية

توضّح بعد الانقلاب أن الحريّة التي وعد بها زين العابدين بن علي لم تكن إلّا كذبة، فما أن استلم الحكم حتى بدأ بمحاربة أقرب الناس إليه لكي يتفرد بالسّلطة وحده.

أذكر لكم عاملين مهمين ساعدا بن علي للوصول إلى السّلطة؛ أولهما عودة تونس إلى الحضيرة العربية الإسلامية وذلك بمساعدة الإسلاميين من حركة الاتجاه الإسلامي والعربية السعوديّة، وثانيهما الوضع الصّحي السيء لبورقيبة متزامناً مع التّدهور الاقتصادي والسّياسي الأكثر تدهوراً.

تطلب الأمر 5 سنوات حتى قضى زين العابدين بن على على خصومه السّياسين وزجّ أغلبهم في السّجون، وسمح لرئيس الحزب راشد الغنوشي بمغادرة تونس، وبهذا أصبح بن علي السّيد الأول في تونس دون منافس. استقطب عائلته واستولى على كل المشاريع الاقتصاديّة في البلاد وقص أجنحة كل معارضة مهما كانت وسمح فقط ببعض الأحزاب التي يمكن له التّحكم بها كديكور يظهر فيه أن الحرية موجودةٌ بالفعل في تونس.

كل من هو بعيد عن السّاحة السّياسية أو ينظر إلى تونس من الخارج يرى أن التّحول قد حدث بالفعل في تونس، لكن القريب من السّاحة السّياسة أو من هو في الدّاخل يعلم أن كل ذلك ما هو إلّا مجرد مسرحية.

حتى سنة 1998 كنت أعتقد أن تونس بالفعل أصبحت دولةً حرة وتسير نحو النّمو الاقتصادي للحاق بركب الحضارة، وهذا ما شجعني أن أقرر العودة والاستقرار في تونس بصفةٍ نهائية؛ خاصّة بعد أن قررت أن أخرج من الاسلام وأحارب الإسلام الأرثودوكسي، وذيوله من الحركات الإسلامية، فعداوة بن علي للإسلامين هي التي حفزتني أكثر لهذه العودة. لا أكذب عليكم فقد كنت أرى أنه على نفس المسار الذي أتبعه وهو مدنيّة الدّولة وقيام دولة القانون وإبعاد الإسلامين ليس عن الساحة السياسة فقط بل حتى الاجتماعية.

احتجت حوالي السّنتين لأكتشف وضع اللّادينين في تونس، في المقاهي وخاصّة قهوة باريس أو الانترنشونال وطبعاً عن طريق الإنترنت… في ذلك الوقت كان انترنت في بداياته حيث حصلت أول قدومي إلى تونس على أول كمبيوتر وأول اتصال إنترنت. بدايةً كان أغلب الملحدين الذين تواصلت معهم من اليسار ومن المهمشين وانرشيست… ولكن مع تقدم الوقت بدأت أتعرف على أشخاصٍ مثقفين أغلبهم من عائلات كبيرة وغنية ولهم جنسيات مزدوجة، يعيشون في تونس وكأنهم لا يعيشون فيها، وليس لهم أيّ تدخلٍ في السياسية أو في ما يحدث في تونس، ولا يعلنون لادينتهم أصلاً كي لا يتعرضوا الى أي مشكال مع المحيط الذي يعيشون فيه.

في أواخر القرن العشرين الموقع الوحيد على الانترنت الذي كان يتحدث على اللّادينية هو موقع اللّادينين العرب وبعض المدونات الفردية، وطبعاً الذي كان مسيطر بطريقة غريبة على نقد الإسلام هم المسيحيون المبشرون بالمسيحية والأقباط والذي كان الأكثر شهرة فيهم في ذلك الوقت هو زكريا بطرس. أما اليسار بصفةّ عامة رغم أن بعضهم كان ملحداً ولكن معركته لم تكن مع الإسلام وإنّما مع الرأسمالية فقط، حتى عداوتهم للحركات الإسلامية لم تكن معركة دينيّة بل معركة سياسيّة حيث يعتبر اليساريون أن الإسلامين نتيجة صناعة غربية رأسمالية لا أكثر ولا أقل .

هكذا نرى أصدقائي أنّ ظهور النّواة الأولى اللادينية الإنسانية والمثقّفة في شمال افريقيا والشّرق الأوسط كانت جدا بطيئة في بدايتها ثم بدأت تنمو أكثر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

في ذلك الوقت أول روّاد اللّادينية والإلحاد في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط الذين كانوا ينقدون الإسلام كدين هو عبد الله القصيمي، شهاب الدمشقي، كامل النجار، نبيل فياض، سامي الذيب، العفيف الأخضر وابن الوراق و هو اسم مستعار لكاتب كتاب” لماذا لست مسلماً” وسلمان رشدي وتسليما نسرين وكريم عامر ومريم نمازي ومينا آحادي … وهناك آخرون يحسبون على التّيار الحداثي المثقف والذين ساهموا كثيراً في التّوعية مثل فرج فودة، حيدر حيدر، محمود محمد طه، فراس السّواح، سيد القمني، يوسف زيدان، نصر حامد أبو زيد، خزعل الماجدي ورشاد خليفة… صحيحٌ أنهم لم يكونوا معروفين في ذلك الوقت إلا من طرف المتابعين فقط، ولكن كان لهم الأثر الكبير في حدوث التّوعية والانتباه إلى الوضع الذي نحن فيه…

في بداية القرن الواحد والعشرين بدأ الإعلام يتكلم عن المرتدين عن الإسلام وتكونت جمعيّات كثيرة في عديد من الدول الأوربية مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وهولاندا وطبعاً تونس، وفي 2005 وقع مؤتمرٌ كبير في باريس جمع أهم الشّخصيات المرتدة عن الإسلام كما وقعت مؤتمرات أخرى في عديد من الدول الغربية، وبدأ فكر الارتداد عن الإسلام ينتشر في الدّول المتكلمة بالعربية وخاصّة بين المهاجرين في الخارج، كما وظهرت العديد من المجلات الإلكترونية وحتى الورقية وكثُرت المدونات والمنتديات النّاطقة بالعربية، وبدأ أعداد من يعلن خروجه عن الإسلام تتكاثر خاصةً مع ظهور اليتويوب والفيسبوك وتويتر…، فقد كانت مواقع التواصل الاجتماعي قفزةً قوية لنقد الإسلام والإعلان عن الخروج عن الإسلام. البعض أظهر تركه للاسلام والبعض الآخر فضّل السرية، فكلمة مرتد أو خارج عن الإسلام أو ملحد أو لاديني اليوم الأغلبية تعرف معانيها، لكن سابقاً لم يكن المسلمون يعرفون هذه التسميات بل كانوا يعرفون مسمىً واحداً فقط وهو كافر، ولا فرق بنظرهم بين كافرٍ وآخر .

نقد الإسلام بالّلغة العربية ومن طرف مسلمين سابقين أحدث طفرةً كبيرة في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وفي العالم الإسلامي، ورغم أن أعدادهم تتزايد بطريقة رهيبة خاصّة في العشر سنوات الأخيرة إلّا أن الجّهر والإعلان يعتبر أمراً صعباً لأغلبهم، وخاصّةً من يعيشون داخل العالم الإسلامي حيث لا يوجد أي قانونٍ يحميهم لا في بلدانهم ولا خارج بلدانهم، وحتى الذين يعيشون في الخارج تكون حياتهم في خطر من أقرب الأشخاص إليهم وحتى من عائلتهم لهذا يفضلون عدم الجّهر بخرجوهم من الإسلام.

تُعتبر تونس من أكثر الدّول حضارةً من الناحيّة القانونية ومن ناحية الحريات خاصّة بعد الانتفاضة 2011، حيث أصبح القول أنك غير مسلم أمر شبه مألوف اليوم، رغم أنّ الكثيرين لا يقبلون ذلك خاصة في المجتمع والعائلات. أذكر ما حدث مثلاً مع نادية الفاني وفيلم “لا ربي ولا سيدي” الذي أحدث ضجةً في بداية الانتفاضة ممّا أجبر نادية الفاني على مغادرة تونس والعيش في باريس، كما وأذكر بث إذاعة نسمة لفيلم “برسبوليس” الإيراني الذي هو بدوره أحدث ضجة كما وقعت محاكمة جابر الماجري وغازي الباجي ممّا جعلهم يأخذون اللّجوء السياسي في اوربا. خرج مئات الملحدين واللادينين من تونس، وتضاعف عددهم، ورغم أن القانون التونسي لا يحمي بطريقة فعالة اللّادينين، كل ذلك لم يمنعهم من أن ينظموا أنفسهم ويخلقون عالمهم، ورغم كل الأمور السلبية التي حصلت ورغم أن هناك من استغلهم واستعملهم لأغراض سياسية بشعة، ورغم تشتتهم بين الأحزاب يمكن اليوم أن أقول لقد حان الوقت للمّ الشّمل ووضع برنامجٍ فعّال لتوحيد الجّهود، فالأخطاء والتّجارب تحدث لكن المهم أن نتعلم منها، وهذا ما سوف نتحدث لاحقاً بعد أن عرضنا الوضع العام لحالة اللّادينين في تونس.

يتبع…

عن محمد كريم العبيدي

محمد كريم العبيدي أمازيغي تونسي مقيم بهولندا،مسلم سابق اتبع الان الإيمان الإلحادي على حسب الغنوصية، اتجاهي السياسي نصف تكنوقراط.

شاهد أيضاً

هل تم فعليا اكتشاف “مهد الإنسانية”؟

صدر من مجلة Nature العلمية المعروفة و الذي تناقتله كل المجلات خبر اكتشاف مهد الإنسانية …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: