fbpx

اللّادينيون في تونس و مشاركتهم في الحياة السّياسية

بعد أن عرضنا الوضع العام السّياسي في تونس من قبل الاستقلال الصوري عن فرنسا إلى اليوم، وقبل أن نتعرف باللّادينين وكيفيّة المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والوضع الحالي، أردت أن ألمح إلى نقطةٍ مهمّة في تاريخ تونس الطويل تعود لعهد الحضارة القفصية التي كانت منذ أكثر من 10 آلاف سنة، وهي أنّ شمال إفريقيا أي تمزغا لم تعرف الوحدة السياسية رغم كل المحاولات، وذلك يعود إلى أن الأمازيغ لم يعرفوا مفهوم الدّولة ومفهوم الإمبراطورية ولا مفهوم غزو الشّعوب الأخرى، فقط النّظام الكونفدرالي هو النّظام السّياسي الذي حكم وسيطر في شمال إفريقيا؛ كل مجموعةٍ لها استقلال ذاتي وتجمعهم مصالحٌ مشتركة خاصّة في حال الغزو الخارجي، إذ كانت هذه المنطقة مطمعاً لكل الشّعوب والإمبراطوريات الّتي قامت في أوروبا أو الشّرق الأوسط على مرّ التّاريخ.

رغم كل المحاولات لمحو خصوصيّة هذه المنطقة ودمجها ضمن الإمبراطوريات الأخرى لم تنجح أي واحدة منهم في محو الهويّة الأمازيغية. فقد كانت هذه الشعوب تمتص الغازي و تتعلّم لغته وعاداته و تقاليده، وتدمجها في هويتها وتحافظ على أصلتها و خصوصّيتها.

يمكننا القول أن الصّراع على أرض شمال إفريقيا كان دائما صراعاً بين قوى أجنبية خارجية عن هذه المنطقة تبحث لها على نفوذ في شمال إفريقيا مستغلّة النّظام الكونفدرالي الّذي يحكم شعوب شمال إفريقيا لكي يكسبوا شعوباً أمازيغية حليفة وأخرى عدوة، وهذا ما نراه وضاحاً في الصّراع بين الحلف الشّرقي والحلف الغربي الّذي كانت تونس الحالية هي الحدود الفاصلة بينما.

تجربة الدّولة أو الحكم حصلت للأمازيغيين مرتين :
أولاً: عندما وصل شيشنق الأول لعرش مصر وتولى حكمها وحمل لقب الفرعون مؤسّساً بذلك حكماً لأسرته؛ الأسرة الثانية و العشرين في عام 950 ق.م ، والّتي حكمت قرابة قرنين من الزّمان. هذه العائلة الأمازيغية العريقة تنتمي للحلف الشّرقي لتمزغا. اعتلاء شيشنق العرش كان نقطة بداية التّاريخ الأمازيغي.

ثانيا: نوميديا الّتي بدأت قبل 200 سنة قبل الميلاد والّتي وقعت في مدٍ ، كرٍ وفر بين قرطاج وروما والبيزنطيين … لكن حلم نوميديا بتوحيد تمزغا الحلف الشرقي مع الغربي تحت حكم ٍ واحدٍ انتهى مع قدوم العرب من الشرق وحدوث يوم النكبة العظيم حيث قتل ديهيا وقائدة الامازيغ الذين كانوا قد خلفوا الملك كسيلة في حكم شمال أفريقيا مدة 35 سنة وتشكل مملكتها جزءً كبيراً من شمال إفريقيا وعاصمتها هي مدينة ماسكولا (خنشلة حاليا) في الأوراس.

منذ يوم النكبة ومقتل القادة الأمازيغ في معركة حامية الوطيس أثناء مجابهتهم لجيش حسان بن النعمان في موقع بالجزائر سُمي فيما بعد ببئر الكاهنة بير العاتر في 13 أكتوبر 701م، و شمال إفريقيا يعيش تحت الاحتلال العربي الأموي و العباسي ثمّ العثماني والأوربي .

يجب أن نعترف و نفهم أن شمال إفريقيا تُعتبر محتلةً منذ ذلك التّاريخ ولم تنجح رغم كل المحاولات للاستقلال لأن الامازيغ الذين أردوا الاستقلال كانوا ينتمون للّدين العروبي الإسلامي؛ فلا يمكن أن يكون هناك استقلالٌ حقيقي مع الإيمان بدين المحتل. كما نعلم أن كلمة اسلام تعني الاستسلام وكلمة الأمازيغي تعني إنسان حر، إذا لا يمكن أن تكون أمازيغي ومسلم عربي هذان متناقضان لا يمكن أن يجتمعا أبداً، ولا يمكن التّحرر والاستقلال الحقيقي بدون رفضٍ كليٍّ للإسلام العربي الأرثودوكسي الّذي يتحكّم فيه الشّرق و المدارس الدينية.

عندما ننظر إلى السّاحة الشمال إفريقية اليوم سوف نجد كل الأطراف السّياسية العالمية تتصارع فوق أرضنا من العرب وغير العرب ومن الأديان ومن المذاهب الإسلامية ومن الأيديولوجيات السّياسية… كلّها لها موقع قدم في شمال إفريقيا بينما نحن أصحاب الأرض وأصحاب البلاد والوطنيين ليس لنا أي موقع، ولا أي كلمة، ولا أي تأثير، ولا أي إمكانيات ليكون لنا رأيٌ وكلمةٌ فوق أرضنا، وحتى من يكون وطني في البداية يضطر أخيراً أن ينضم إلى طرفٍ أجنبي؛ أمريكي أو خليجي أو فرنسي أو تركي… ليحصل على موقع قدم، وهذا واضح في ليبيا وتونس اليوم و في كل شمال إفريقيا.

ليس هناك حزب سياسي واحد في شمال إفريقيا مستقلٌ ووطني 100/100 سواء في الحكم أو في المعارضة، فلا يمكن لأي حزبٍ أن يكبر و يكون له أنصاراً ما لم يتحالف مع طرفٍ خارجي مهما كان ليكوّن له موقعٌ في السّاحة السّياسية من أصغر حزب الى الأكبر. الصراع السّياسي وحتى العسكري الذي يقع في شمال إفريقيا منذ يوم النكبة هو صراع أطرافٍ أجنبية لا دخل لنا فيها، ورغم ذلك نحن ندفع الثّمن ونشارك في هذا الصراع وهذه الحقيقة الّتي أصبح الجميع يعرفها في شمال إفريقيا، فقد أصبح الّلعب بالمكشوف والأحزاب لا تخفي تحالفها مع قطر أو الإمارات أو السعودية أو حتى إيران و تركيا وفرنسا وألمانيا وأوروبا…

ليس هناك موقع لأي وطنيٍّ حقيقي بل حتى أنّه يولد ويعيش و يموت ولا يسمع به أحد وهذا بالفعل شيءٌ مؤسف جداً. استحضرت ذاكرتني الآن محادثة أجريتها مع أحد السّياسين الأوربيين عن الوضع في شمال إفريقيا قال لي بالحرف: “عندما نريد أي شيءٍ من شمال إفريقيا نتصل بأسيادهم الذي يتحكمون فيهم ونحصل على كل شيء، لأن ليس هناك لوبي سياسي واحد وطني في شمال افريقيا بل أنّ كل اللوبيات الّتي في شمال إفريقيا هي لوبيات أجنبية”.

نعود لموضوعنا في تونس وهو تقريباً نفس الوضع في كل دول شمال إفريقيا، وكما نعلم أن كل الأحزاب الموجودة على السّاحة هي أحزابٌ تتلقى الدّعم الخارجي المالي و السياسي والإعلامي… وأن أغلب أعضاء البرلمان التّونسي كي لا أقول كلهم يخدمون مصالح أجنبية ولا يهمهم من قريب ولا من بعيد مصلحة المواطن التونسي، وهذا لا يحتاج إلى دليلٍ ولا برهان .

الآن بعد أكثر من 9 سنوات على الانتفاضة ونحن نشاهد النّقود تضخ بالمردودات على شكل ديون ومساعدات وهبات وهدايا… دون أن نتكلم عن النّقود الّتي تدخل بطريقةٍ غير قانونية… وكلها تذهب للمشرفين على الأحزاب ولشراء الذمم وقت الانتخابات وهذا لا ينطبق على البرلمان فقط بل حتى الرئاسة وكل هياكل الدّولة التي تعمل كلها لتفقير الشّعب التونسي ليبقى دائماً في حالةٍ من العوز والحاجة ألى هذه الأحزاب التي تعطيه بعض الفتات لينتخبها ولشراء الأصوات الإعلامية وغيرها…

ليس هناك حزبٌ واحدٌ يعمل على استقلال تونس ولا حزبٌ يعمل على بناء تونس ولا حزبٌ يفكر في المواطن إلا عند الانتخابات بالوعود الكاذبة و بالمال … وهذا الأمر أصبح جليّاً ومفهوماً من قبل الجميع.

يتبع…

عن محمد كريم العبيدي

محمد كريم العبيدي أمازيغي تونسي مقيم بهولندا،مسلم سابق اتبع الان الإيمان الإلحادي على حسب الغنوصية، اتجاهي السياسي نصف تكنوقراط.

شاهد أيضاً

هل تم فعليا اكتشاف “مهد الإنسانية”؟

صدر من مجلة Nature العلمية المعروفة و الذي تناقتله كل المجلات خبر اكتشاف مهد الإنسانية …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: