fbpx

اللّادينيون في تونس و مشاركتهم في الحياة السّياسية

دعونا الآن نتعرف على التّيارات الكبيرة الموجودة في تونس والّتي لم تتغير من قبل الاستقلال عن فرنسا، فقط أخذت أشكالاً جديدة ووجوهاً جديدة لا أكثر ولا أقل وهي 3 تيارات كبيرة:

أولا: اليسار، هذا التّيار الّذي شارك بشكلٍ فعال في خلق نقابة العمال، وما يطلق عليه الاتحاد العام التونسي للشغل، ومن الشخصيات المعروفة فرحات حشاد التي اغتالته القوات الفرنسية لما يشكل خطر على مصالحة في تونس في ذلك الوقت ومن بعد الاستقلال. هذه النقابة رغم كل محاولات تدجينها في عهد بورقيبة وبن علي ومن بعد الانتفاضة إلا أنها تبقى أكثر المنظمات قوة والتي تفكر في مصلحة الشعب التونسي وخاصة العمال. صحيح أنّها ليست حركة سياسية ولكن لها دور كبير في التأثير على السياسيين وتبقى مصدر قلق لكل من يريد أن يبيع تونس كلها لجهة أجنبية. أما اليسار كأحزاب سياسية وبعد أن دمرهم بورقيبة بإطلاق الإسلامين عليهم في الجامعات وغيرها إلا أنهم مازالوا يعتبرون الأكثر نشاطاً وتضحية رغم انقسامهم إلى عدة أقسام ولم يبقَ لهم وزنٌ حقيقي في تونس إلا من خلال بعض الجّمعيات الإنسانية أو باسم بعض الأشخاص. دخل الجانب الرسمي والتاريخي من اليسار في اللعبة السياسية كمتفرج وتحالف مع العروبيين وكثير منهم استسلم للوضع الموجود حتى لا ينتهي كليّاً، أما القاعدة فقد تشتت مع الأسف لأن القيادة العليا لم تعٔد تمثلهم ولأن الفكر اليساري الشيوعي اليوم لم يعُد فعالاً خاصة بعد سقوط الإتحاد السوفياتي… رغم أن اليسار يملك إيدلوجية قوية لمن يؤمن بها ورغم أن المنتمين لليسار أحدثوا ابداعاتٍ في مجال الفن والموسيقى والفكر في تونس، ورغم أن الكثير منهم تخلى على الفكر اليساري، إلّا أنه يمكننا القول أن الأشخاص الذين انتموا لليسار مهما أصبح حالهم اليوم هم أقرب للوطنية وأقرب للتفكير في مصلحة تونس، ولكن لا يمكن أن تعوّل على يساري عربي ولا يساري يميل للإسلامين فهؤلاء خطورتهم على الوطنية أكثر من الإسلامي والعربي نفسه.

ثانيا: البورقيبين أو الإسلامين الحداثيين مهما كانوا سواء القدماء أو في عهد بن علي أو من هم الآن من نداء تونس وأخيرا الذين تحمل رايتهم عبير موسى، هؤلاء انتهى عصرهم رغم كل المحاولات التي يبذلونها من أجل العودة، لأن عهد بورقيبة انتهى وفكرة أخذ العصا من النصف لم تعُد تنفع اليوم. رغم أن بورقيبة كان عدواً للسعودية والخليج إلّا أنّ هذه الأخيرة مدعومة من السعودية والإمارات وفرنسا… وهذا الأمر واضح وجليّ للذي يفهم السياسة الحالية، صحيح أن عبير موسى قامت بتجديد في الفكر البورقيبي حيث أعلنت عداوة صريحة للفكر الإسلامي لكنها لم تعلن ذلك عداوتها للفكر العروبي الذي هو عملة واحدة مع الفكر الإسلامي. كما أن عداوتها للإسلامين هي عداوةٌ سياسية ليست ايدلوجية لأنها تحمل من الأفكار الإسلامية التي لا تختلف بينها و بين الإسلامين كمثال؛ ما يخص الحريات ومسئلة المساواة في الإرث ومسئلة حق نقد الإسلام و مسألة المثلية… وغيرها من الحقوق المدنية للمواطن. إنّها تركز كل عدواتها على الجانب السياسي من الحركة الإسلامية لا أكثر ولا أقل رغم أن بورقيبة هو الذي سمح لهؤلاء لكي يصبحون قوة للقضاء  على اليسار، وهي تتبع سياسة بن علي في العداوة مع الاسلامين لكنها لا تملك السلطة لتزجهم في السجون كما فعل بن علي و لو كان لها السلطة لفعلت ذلك. هذا الشق كما أراه لا يعمل على استقلال تونس الفعلي وإنّما مجرد عمالةٍ لجهة يمكن أن تكون أفضل من العمالة لجهةٍ أخرى تعتبر أسوء للشعب التونسي.

ثالثاً: الإسلامي العروبي، هذا الشق هو امتداد لشق صالح بن يوسف والشّق الزيتوني والشّق العروبي الصّلب وهو اليوم متمثلٌ في حركة النهضة وكل الأحزاب الإسلامية التي تتبعها رغم الاختلاف في النظرة، وهو نفس شق الرئاسي لقيس سعيد، وهم من يحكمون في تونس. هؤلاء جهاتٌ مدعومة من قطر وأخرى تركيا وأخرى من إيران… وقد استطاعوا خلال السنوات بعد الانتفاضة أن يسطروا على أجهزة الدّولة ويشتروا الذّمم ويحدثوا الانشقاق و التشتت في كل الأحزاب الأخرى بما فيهم نقابة العمال واليسار والتيار البورقيبي لأن لهم تجربة طويلة في المعارضة ولأنهم أكثر قرباً من التونسي المسلم العادي حيث يعرفون كيف يلعبون على المخزون الديني والخوف من الله، كما استطاع هؤلاء ان يسيطروا على الإعلام وان يشتروا الذّمم التي تُباع و تُشترى واستطاعوا أن يكسبوا تجربةً في الحكم فهو الآن القوة المسيطرة على تونس وقوتهم مازلت في أول الطريق بعد أن يزحوا ما تبقى من الجيوب التي تعارضهم ويمكنون أنفسهم. هؤلاء الخطر الأكبر الذي يترقب تونس هو أخطر ممّا نتوقع، فلو استمروا في التحكم بمصير تونس فهم أكبر العملاء وأعظم خطر على الشعب التونسي، ولأن الشعب التونسي المسلم المستسلم العربي جاهل بكل هذا وهم يعملون على أن يبقى في جهله لكي يمكنهم التحكم فيه كما يريدون.

هذه إذاً الأطراف الثلاثة التي تتحكم في مصير تونس، فما هو موقف اللّادينين من هؤلاء؟ كيف هم مشتتين بين اليسار والبورقبيين! وما هو الحل! هل ندعم طرف على حساب آخر لأن عدونا كلنا هم الاسلاميون؟؟؟ هل دعم عبير موسى يكون الخيار الصائب؟؟ هل دعم اليسار الذي باع الغالي والرخيص سوف يخرجه من هذا الركود والاستسلام؟؟ هل نكتفي بالانتماء إلى جهة أقل خطراً من الجهة الأخرى؟؟ ما هي الخيارات التي أمامنا؟ أم هل نعمل على أنفسنا ونصبح تياراً وإن كان صغيراً يمكن أن يكون له مستقبلٌ لو تم حسن الاختيار والسير؟؟؟ عدة أسئلة نحاول أن نجيب عليها في الحلقة القادمة.

يتبع…

عن محمد كريم العبيدي

محمد كريم العبيدي أمازيغي تونسي مقيم بهولندا،مسلم سابق اتبع الان الإيمان الإلحادي على حسب الغنوصية، اتجاهي السياسي نصف تكنوقراط.

شاهد أيضاً

هل تم فعليا اكتشاف “مهد الإنسانية”؟

صدر من مجلة Nature العلمية المعروفة و الذي تناقتله كل المجلات خبر اكتشاف مهد الإنسانية …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: