fbpx

اللّادينيون في تونس و مشاركتهم في الحياة السّياسية

بعد أن تعرفنا على الأطراف الثّلاثة الكبيرة التي تلعب في الساحة السياسيّة في تونس وهم؛ الإسلاميون وحلفائهم، المسلمون الحداثيين وحلفائهم، واليسار الأيتام وتشتتهم. نحاول الآن أن نتعرف على أنواع اللّادينين الموجدين على الساحة التونسية، عندما أقول لادينيين أقصد بهم الملحدين، الربوبين، ولا أدريين وكل من هو مسلم بالاسم ولا يعني الإسلام له شيء سوى مجرد هويّة، وهؤلاء موجودون بعدد كبير في تونس؛ حيث أن الدين بالنسبة لهم مسألة ثانوية تتبع العادات والتّقاليد لا أكثر ولا أقل، ويعتبورنه أمراً سطحياً وفردياً. هؤلاء الأشخاص البعيدون عن الدين الأرثذوكسي الرسمي يمكن اعتبارهم ضمن اللادينين ونجد من هؤلاء المسلمين الصوفيين وغيرهم من المذاهب البعيدة عن الإسلام العروبي الرسمي.

كما نجد من الأديان الأخرى مثل البهائيين، المسيحيين، اليهود، والروحانيين وغيرهم حيث لا وزن للدين في حياتهم ويرونه مسألةً فردية شخصية لا دخل لها لا في القوانين ولا في السياسية ولا في الاقتصاد. كل هؤلاء يعتبرون ضمن الجبهة المدنية للدولة التونسية ومع التغيير الجذري لتونس لكي تلحق بركاب الحضارة والدول المتقدمة.

وسأتكلم  وأركز في هذا المقال عن اللّادينين وبصفة خاصة أقصد الملحدين الذين يمثلون رأس الحربة وهم الأكثر عدداً والأكثر نشاطاً على الساحة التونسية، وأكثر الأقليات في تونس، وعددهم يتزايد يوماً بعد يوم، وصوتهم بات مسموعاً أكثر، وهم الذين يدافعون عن كل الأقليات الأخرى، حيث أنّهم يملكون الجرأة والشجاعة في معادة الأديان الأرثذوكسية الرسمية التي تمنع الحرية وتقيد الإنسان بقواعد مقدسة، وترهب الفرد والمجتمع نفسياً وجسدياً، وحتى تهددهم بما وراء الموت وتقلص العقول عن التفكير والبحث والمعرفة. هؤلاء الملحدون هم موضوع حديثنا هنا وينقسمون إلى 3 أنوع.
1- الملحدون الإنسانيون أو الإلحاد الفكري؛ وهو نوع من الإلحاد يعتمد على العقل والفكر والمعرفة والأخلاق الإنسانية، حيث يعتبر الإنسان هو الذي خلق الدين وفكرة الرب وليس العكس، ويعتبر الانسان هو المسؤول الوحيد عن مصيره ولا قوة خارجية مهما كانت، هذا النوع من الالحاد ليس له عداوة مع الدين بصفة عامة ولا عداوة مع الرب بصفة خاصة، إنما عداوته مع الأفكار الغير أخلاقية والغير إنسانية الموجودة سواء في الأديان أو غير الأديان. هذا النوع من الإلحاد يعتمد على المنطق والعلم والطبيعة البشرية وتطور الوعي لدى الانسان وتطور المعارف والفلسفة و العلوم الاجتماعية من أجل حياة أفضل للفرد.

هذا الإلحاد يؤمن بالفردية كمبدأ أساسي حيث يرى سعادة المجتمع في سعادة الفرد، و هو ضد فكرة القطيع والأمة والتبعية، فكل إنسانٍ مسؤول عن نفسه، والذي يجمعنا هو الإنسانية، ويجب على القوانين التي تظم العلاقات بين الافراد ألّا تتدخل في حياة الفرد الشخصية، لا يحق للقانون أن يتدخل في الفرد في ما يخص نفسه فهو الوحيد المسؤول عنها في ما يخص ذاته، أما في علاقاته مع الأخرين سوى البشر أو الحيوان أو الطبيعة وكل ما حوله هنا توضع القوانين. هكذا يمكن إعطاء للفرد مساحة للحريّة الشخصية في كل المجالات الفردية الشخصية.

الإلحاد الفكري؛ هو مستوى إنساني راقي و مسؤول، وعادة لا يمكن جمع هؤلاء الملحدين لا في حزب سياسي ولا في جمعية مهما كانت، لأنهم يرفضون الإنتماء ويريدون أن يبقوا أحراراً في أفكارهم وتصرفاتهم. يمكن أن يجتمعوا للنقاش أو الحوار أو يجتمعون تحت إطار معين، ولكن بدون التزام و تبعية، ويكون لكل شخص كامل الحرية في تصرفاته، و يجب أن يقتنع عقلياً ومنطقياً في أي مسألة مهما كانت. يمكن لهؤلاء أن يجمعوا تحت جمعية إنسانية أو جمعية فكرية حيث يكون الفكر متنوع الراقي، ويكون هناك حرية في التنوع خاصّة فيما يخص الفكر الفردي أي عبارة عن جمعيات تحمل منبراً حراً للتّفكير وإبداء الرأي، أو منصّة للتّعبير على الفكر مهما كان.

هناك الكثير من الجمعيات التي تتوجه بهذا الاسلوب في الغرب وفي العالم وتُبنى على أساس أنها منابرٌ حرة يكون الإلحاد الفكري فيها قوي ومشارك، لكن هذا النوع مفقودٌ في العالم الإسلامي، فأول الجمعيات من خلفية إسلامية هي جمعية AIME التي تم تأسيسها في فرنسا سنة 1998 واخذت الرّخصة الرّسمية سنة 2000 وهي أول جمعية في العالم الإسلامي وتحت القانون التونسي أخذت الرخصة بعد 11 سبتمبر سنة 2001 وتحمل نفس الإسم وكانت لها مجلة ورقية باللغة الفرنسية.

عن طريق هذه الجمعية الذي كُنت الكاتب العام فيها، والتي عملت على السّاحة التّونسية أكثر وفي أوروبا عملت على الجالية التي من أصل مسلم مدة 6 سنوات، قبل أن يتم حجزها سنة 2005 من طرف حكومة بن علي وتوقيف نشر مجلتها الشهرية التي كانت تباع في تونس وشمال افريقيا واوربا… استطعت أن أتعرف من قربٍ على هذا النوع من الملحدين المثقّفين الأخلاقيين الإنسانين بأتمّ معنى الكلمة.

هؤلاء موجودون بكثرة في تونس و لكنهم مشتتون جداً سياسياً بين الأحزاب البورقيبة، والأحزاب اليسارية الملتزمة، ومن هو معتزلٌ عن السياسة كليا، ومن يعمل في الجمعيات الفنية والإنسانية… الجمعية الوحيدة اليوم التي يمكن أن تجمعهم من جديد هي جمعية “إنارة”التي تأسست منذ مدّة قصيرة تحت إشراف نضال غرسي، رغم أن هذه الجّمعية في بدايتها إلّا أنها تحمل الاخلاق والمبادئ الإنسانية الحقيقة للملحد الحر الحقيقي بعيداً عن سياسة القطيع و التبعية والتلاعب والخلط بين التلاعب السياسي ورفع شعارات كاذبة لخدمة مصالح شخصيّة أو سياسيّة.

جمعية “إنارة” هي الجمعية الوحيدة اليوم في تونس التي تحمل مبدأ الملحد المثقف الملحد الحر، الملحد المفكر، الملحد المبدع الذي لا يتبع سياسة القطيع، والتي يمكن أن تفجر الطاقات لتوحيد الملحدين تحت منبرٍ حر حقيقي بدون عداوة ولا كره وتنشر مبادئ التسامح والتعايش بين جميع الأحرار في تونس الّذين يؤمنون بالمبدأ الإنساني ويعتبرون الانسان هو المقدس الوحيد بلا أفكارٍ ولا إطار ولا إيديولوجيات.

أرى في هذه الجمعية مستقبلاً نيراً يوَعي الشعب التونسي للمبادئ المدنية وفكرة المواطنة والفكر الإنساني الحر الحقيقي دون متاجرة ودون استغلال، ويمكن أن يكون لهذه الجمعيّة دورٌ في تقديم النّصح لللادينيين والملحدين والاقليات  المسالمة في أي عملٍ سياسي مستقبلي يخص تونس من أجل تطوير الدّستور التونسي وتحرير العقول من الجهل والأفكار التي تأخرنا إلى خلف وتعيق التحاقنا بركاب الحضارة.

دعم هذه الجمعية والتوحد حولها كجمعية حقوقية إنسانية هو واجب لكل إنسانٍ حر في تونس حتى لو كان دعماً بدون المشاركة الفعلية، لأنني أعرف أن الكثير من الملحدين الإنسانيين لا يريدون الانتماء، ولكن يمكنهم أن يدعموا هذه الجمعية بطريقتهم الخاصة وعلى حسب وجهة نظرهم، ليس لنا اطار اخر مع الاسف، لعل في المستقبل تظهر جمعيات اخرى، معادة هذه الجمعية  من طرف التقليدين والإسلاميين والمتشبعين بالفكر المتخلف أمرٌ عادي وهو أمرٌ طبيعي، ولكن أي شخص يدعي الحرية ويدعي الإنسانية يعمل على التشكيك في هذه الجمعية دون ان يقدم بديل افضل تأكد أن الذي دفعه إلى ذلك هو النيّته الغير شريفة ومصالح شخصية وأخرى سياسية لا تخدم مصلحة الأحرار في تونس ويجب الحذر منه. الطريق مزال طويل، الطبقة الالحادية المثقفة ليس من السهل ان تتجمع ليس في تونس فقط وانما في العالم اجمع، لان هولاء الطبقة جدا مستقلة وتؤمن بالفرد اكثر من المجموعة والعمل الجماعي.

هذه فرصةٌ مهمة لنوحد اللادينين الإنسانيين الذين يؤمنون بالعمل الجمعياتي، لأن أي عملٍ دون إطار لا قيمة له، ولا يمكن أن نتقدم دون إطار ودون إلتفاف وحول رمز يجمعنا. الجمعية مجرّد كيان معنوي لا قيمة له، القيمة لمن يكن تحت سقف هذا الإطار لكي نتقدم بالعمل ويكون لنا صوتٌ مسموع ورأي مؤثر في الساحة السياسية والساحة الاجتماعية في المستقبل. يجب العمل على تقوية هذه الجمعية وجعل صوتها يصل إلى الجميع في تونس وخارج تونس لكي يكون لها كلمةٌ وتأثير.

يتبع…

عن محمد كريم العبيدي

محمد كريم العبيدي أمازيغي تونسي مقيم بهولندا،مسلم سابق اتبع الان الإيمان الإلحادي على حسب الغنوصية، اتجاهي السياسي نصف تكنوقراط.

شاهد أيضاً

هل تم فعليا اكتشاف “مهد الإنسانية”؟

صدر من مجلة Nature العلمية المعروفة و الذي تناقتله كل المجلات خبر اكتشاف مهد الإنسانية …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: