87 / 100

 

المطلوب من متلقي المعرفة

السّلام على من اتبع العقل وبنذ النّقل وفكّر عالسّلامة.

وصلنا إلى نقطة الصّفر ونهاية المقدّمة الكبيرة للقناة بهذا الفيديو رقم9 وهو في الحقيقة الفيديو رقم 10 لأنّ كما قلنا أن عنصر التّداخل هو الذي جعل الوجود يوجد ويتقدّم. كل نهاية هي بداية وكل بداية هي نهاية إلى لانهاية من لابداية. هي القاعدة الأوليّة التي يقوم عليها الوجود المطلق والتي ترمز بالحيّة التي التمسك ذيلها في الغنوصيّة. لأن الوجود الأصلي أزلي لا يمكن أن يستوعبه العقل الإنساني، وهذا الوجود الأزلي عندما يظهر في المادة أو عندما يظهر من العدم، فالعدم يظهر على شكل دوةٍ لانهائية مثل السّاعة أو مثل عقارب السّاعة.

هذه الأمور سوف نفهمها أكثر في الفيديوهات القادمة ولكن موضوعنا في هذه الحلقة هو: ما هو المطلوب منكم أنتم المستمعين لهذه الفيديوهات وكيف تحصل لكم الفائدة من كل هذا؟

أغلب إن لم أقل الكل ممن يتابع هذه الفيديوهات واحدٌ من ثلاثة:
أولاً من وجد نفسه بالصّدفة؛ أي ظروف و عوامل جعلته يتابع هذه الفيديوهات من جانب الفضول وحب الاطلاع، أي ليس له رأي سلبي أو إيجابي، ويمكن مع الوقت أن يتوقّف عن المتابعة أو يواصل على حسب الشّخصيّة ودرجة الوعي التي لديه و استعداده هؤلاء الأشخاص أقول لهم: لا تتسرعوا في الحكم سواء كان سلبي أو إيجابي.

اتركوا لأنفسكم الوقت الكافي لكي تكون لكم نظرةً واضحة وتعلمون وتتأكّدون هل يجب متابعة هذه الفيديوهات! هل يمكن أن تقدّم لكم الجديد! أم عليكم أن تتوقفوا لأنكم غير مستعدين بعد، أو غير مهتمين بالأمر وليس لكم وعي تقبّل هذه المعرفة التي على قدر ما هي بسيطة تُعتبر معقّدة وغير مفهومة للبعض.

أمّا النّوع الثّاني أولائك من وعَى أن هناك شيئاً غير عادي؛ فيرغب في معرفته ولكن لا يدري من أين يبدأ. هو مؤمنٌ أن الوجود ليس مجرّد مادّةٍ وصدفة ولكن لا يدري ما هذا الوجود. هؤلاء جذبهم الغموض ولهم شغفٌ وحبٌ للمعرفة. يمكن أن يكونوا اتبعوا طريقاً آخر ملوياً عن الغنوصية مثل علوم الطّاقة أو التّركيز أو اليوغا أو غيرها، ولكن رغم ذلك لم يجدوا ضالتهم أو طال بهم الزّمن أو تفطنوا أو أحسوا أنّهم يحتاجون لأن يعرفوا أكثر وأن يجربوا عدّة طرق حتى يجدوا ما يناسبهم.

هؤلاء لهم شغفٌ كبير للتّعلّم ولهم شخصيّة خاصّة تميّزهم عن الآخرين ولكن كل واحدٍ من هؤلاء له طبعه الخاص ودرجة وعيه ومقداره على الصّبر. هناك من سوف سوف يستفيد ويجد طريقه وهناك من سوف يدمن وهناك من سوف يبحث عن طريقٍ آخر. هؤلاء أنصحهم أن يتبعوا حسّهم وإحساسهم وأن يعوا جيداً أن الشّيء الّذي لا يوفّر لهم الرّاحة الفعليّة التي هي الرّاحة مع وضوح الرّؤية والتّقدّم في الحياة يتركهم أحسن وقلت الرّاحة الفعليّة المرتبطة بوضوح الرؤية و التّقدّم في الحياة لأن هناك راحةً إدمانيّة دائريّة خطيرة يحس فيها الإنسان أنّه مرتاح ولكن لا يتقدّم ويبقى في نفس المكان.

هذه الرّاحة الإدمانيّة هي عبارةٌ عن مخدّر أو مُسكر يجعل الإنسان لا يواصل طريقه وهي خدعة من خداع العقل، فالشعور بالرّاحة لا يعني أنّك على الطّريق الأفضل. قد تكون راحةً نتيجة عدم الوعي، وقد تكون راحةً نتيجة الرّوتين والاستسلام، ولكن الرّاحة الحقيقيًة هي بالمعرفة والتّقدّم والوعي.

أمّا النّوع الثّالث من الأشخاص هم الصّارمين والمصرّين والمؤمنين على المعرفة؛ هؤلاء سواء عندهم هذه الحالة بالولادة، أي بالموروث أو طوروها خلال حياتهم سواء نتيجة حياةٍ صعبة ومشاكل كثيرة تعرضوا لها في حياتهم أو نتيجة ترفٍ وبذخٍ كثير جدّاً أو نتيجة صدمةٍ قويّة تعرضوا لها أيقظتهم من

المطلوب من متلقي المعرفة

المطلوب من متلقي المعرفة

غفلتهم وهذه الحالة (الصّدمة) وقعت للبشريّة في أوّل وجودها عندما كانت تعيش في عالم الحيوان. هؤلاء يملكون حسّاً قوياً ،ما نطلق عليه ملتقطين لطاقة الوجود العدمي بطبعهم أو مكتسباً، هؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأن رغم أن بعضهم لم يفهم بوعي فهو فاهم بدون وعي وهذه الفيديوهات وهذه القناة سوف تجعلهم يفهمون ما يعيشون وينتبهون بوعي لما هو دون وعي فيهم.

أقول لهم شيئاً واحداً: أنتم ليس غرباء. أنتم ليس غير عاديين. أنتم ليس مجانين، وإنما أنتم سابقون عصركم. هذا النّوع من النّاس حالهم حال بداية أوًل البشريّة فهم الأكثر إحساساً بالمسؤوليّة ولكن أيضاً هم أكثر عذاباً عندما ينظرون ما حولهم وما هي حالة الإنسان. أقول لهم :لاتخافوا ولا تحزنوا. أنتم الأعلون ولو كره بعض الأسفلون.

إذاً بعد أن عرفنا من يتبع هذه القناة المختصّة بالغنوصيّة الخام بعيداً عن الأبواب واللّف والدّوران والطّرق المعوجّة التي هي في الحقيقة ليس غير جيدة ،وإنّما هي جداً جيدة للأشخاص العاديين المبتدئين لتحضيرهم إلى بداية تعلّم المعرفة، فهي مرحلة ضرورية لمن هو إنسانٌ عادي جداً؛ حيث إن هذه الأبواب أو الواجهات أو الطّرق الملتويّة تُحدث عند الإنسان العادي عنصر الدّهشة والانبهار التي تدفعه عبر هذه الطّرق إلى الوصول إلى الغنوصيّة، لأن العنصر الأساسي لكي تنتبه وتتعلّم هذه العلوم هو عنصر الدّهشة الذي يخلق عندك رغبة للتّعلّم، و هذا ما حصل للإنسانية في أوّل وجودها.

كما يقول أنشتاين: “إن الذي لا يقدر على الشعور بالدهشة أو المفاجأة يمكن أن نعتبره ميتاً وعيناه قد انطفت” وهذا النّوع من الموت قبل الموت نجده كثيراً في الماديين مهما كانوا سواء ملحدين ولا يؤمنون إلّا بالمادّة، أو منتمين إلى أديان و يتّبعون الرّوتين وقشرة الدّين الظًاهري ويتعصبون لها.

هؤلاء نجدهم يلعنون ويكفّرون ويسخرون من كل واحدٍ يتكلم شيئاً غير الذي يعرفونه ويعتقدون به. هم فقط بالنّسبة لهم ما يعتقدون هو الحق ،و خلافه باطل سواء ملحد يعتبر المادة فقط أو متديّن يعتبر فرائضه ودينه فقط هو المنقذ. هؤلاء يعتبرون ميتون في الحياة ولا يمكن أن تفعل معهم شيئاً إن لم تنفجر الدّهشة في داخلهم من ذاتهم.

كما يُقال عنهم “صمٌ بكمٌ عمىٌ فهم لا يرجعون” أو فهم لا يعقلون وهؤلاء النوع من الملحدين ومتبعين الأديان تنطبق عليهم الآية القرآنية التي تقول :”أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا” ،و هذا النّوع من الملحدين الماديين والمتديين الذي يتبعون الدّين بالحرف مثلهم مثل الإنسان عندما كان في مرحلة الحيوان ،لا يريد أن يتطوّر ،ولا يريد أن يتقدّم ،لهذا تم وصفهم بالأنعام بل هم أضلّ سبيلا لأنّهم لم يعودوا حيوانات و أصبحوا بشر. إذاً ليس لديهم أي عذرٌ أن يكونوا صمٌ بكمٌ عمىٌ فهم أسوء من الحيوان.

إذاً وصلنا إلى نهاية هذه الفيديو وما عليكم إلّا أن تعرفوا الآن شيئن: ما هو مطلوب منكم. وما هو لكم.
أمّا هو المطلوب منكم هما شيئين: الأول؛ أن تفكروا فيما أقول ولا تعتبروه حقيقة مطلقة إلّا عندما تختبروه بأنفسكم وتحسون به ويصبح منكم وإليكم ؛أي عبارة على ما أقول هي عبارة تفكير لكم لما هو موجود في داخلكم ،و ما أنا إلّا أذكّر كما تقول إحدى آيات القرآن :”وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ”.

أمّا النقطة الثّانية؛ ألّا تبخلوا على الآخرين ممّا تعلّمتم وممّا عرفتم ،و أن تحدّثوا من حولكم بأي طريقةٍ كانت وبالطّريقة التي تروها مناسبة لكي تلفت لهم الانتباه على أن يعرفوا أنفسهم ويخرجون من الظّلام الذي هم فيه إلى نور المعرفة والأمان والوعي بذواتهم كبشر “وأمّا بنعمة العلم فحدّث”. هذا كل ما هو مطلوبٌ منكم.

أمّا ما هو لكم؛ أعلم أنّ الغنوصيّة تبحث عن أجوبة لثلاث أسئلة أساسية منها تتفرّع كل الأسئلة الوجوديّة عند الإنسان وهي: السّؤال الأوّل: من أنا؟ أو من أكون؟ السًؤال الثّاني: من أين أتيت؟ أو من أوجدني؟ أو من خلقني؟ السّؤال الثّالث: أين أذهب؟ أو ماذا بعد الموت؟ هذه أهم أسئلة وجوديّة ومصدر لكل الأسئلة الوجوديّة الموجودة عند الإنسان، كما يقول إيليا أبو ماضي:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي ؟
لست أدري!

والآن السّؤال الًذي يُطرح بكل صراحة ودون لفٍ ودوران: هل الغنوصيّة تجيبك بالفعل عن هذه الأسئلة الثّلاثة وما تفرّع منها؟
الجّواب: إن الغنوصيّة تقول بكل صراحة ووضوح أنّ ما تقدِّم لك من معرفة سوف يساعدك كثيراً أن تعرف من أنت ومن تكون. هذا ما هو أكيد أنّها تجعلك تعرف هدفك في الحياة الّذي تجد فيه راحتك وسعادتك رغم كل الأهوال. نعم المعرفة الغنوصيّة تجعلك كل يومٍ تعرف نفسك أكثر إلى آخر العمر.

لكن بالنّسبة للسؤالين من أين أتينا؟و إلى أين نذهب؟ الغنوصيّة تقول بكل صراحة إنّها مشعلٌ للعلم عن طريق الحس تفتح الأبواب المغلقة للعلماء لكي يعرفوا الحقيقة العلميّة، فهي تقول أنّ ما أثبته العلم لم يعد من اختصاص الغنوصيّة. أي أن الغنوصيّة لم تفكّر يوماً في الحديث عن ما هو معلوم وثابتٌ علميّاً، فهي غير منافسة للعلم، بل مكملة للعلم وتفتح له الطّرق الأزليّة لكي يتقدّم، فهي تعطي افتراضات للمجهول من خلال المعلوم عن طريق الحس. هذا جواب الغنوصيّة فيما يتعلّق من أين أتينا و إلى أين نذهب.

ومع فيديو قادم. شكراً على الاستماع. شكراً على التّشجيع. شكراً على التّوزيع وبالسّلامة.

اقرأ ايضًا : الدّرس 01 : مقدّمة البداء في الغنوصيّة 

 

Share This