86 / 100

 

المعلمون الجُّدد في الغنوصية

السلام على من اتبع العقل ونبذ النقل وفكر، عسلامة

بعد أن تكلمنا عن المعلمين القدامى نتكلم في هذا الدرس عن المعلمين الجُّدد، للعلم نحن نتكلم عن المعلمين الحقيقيين ولا نتكلم على غيرهم وهم موجودون بكثرة وخاصة بعد انتشار الأسلوب الجديد الذي يسهل به التحيُّل خاصة أن طالب المعرفة لا يعرف شيئاً عن الغنوصية ولا يفرق بين من يعلم عن تجربة شخصية وبين من جمع المعلومات وينقلها دون تجربة. كما قلت إن الغنوصي هو من يختبر المعرفة ويحس بها شخصيّاً وغير ذلك يمكن أن نطلق عليه متعلم أو باحث ولا يمكن أن نطلق عليه غنوصي. صحيح أن الأسلوب القديم جدا صعب ولكنه يمنع التحايل، حيث يطلب من المعلم التخلي كلياً عن هذه الحياة، وينعزل عمره كله بعيداً عن البشر وملذات الحياة وهذا من الصعب أن يقوم به المتحايل.

المعلمون القدامى منذ قرابة قرنين أو ثلاثة أصبحوا لا يستطيعون التعليم بالأسلوب القديم وانتظار التلاميذ الذين يدقون أبوابهم لأنه لا يأتي إليهم أحد، وإن جاء شخص فلم يعد يقبل اختباراتهم ويهرب من أول اختبا، وللناس طبعاً حياتهم الخاصة ولا يمكن أن ينعزلوا العمر كله، ولهذا أصبح التلميذ يتعلم مدة من الزمن ثم يعود لحياته العادية.

إذاً بداية التغيير بدأ باختصار مدة التعلم وهذا يجعل عدد المعلمين يتكاثر بطريقة كبيرة جدا ومنتشرين في كل العالم، ولكن صاحب ذلك تزايد عدد السكان بطريقة كبيرة أيضاً.

ظهور القفزة التكنولوجية في القرون الأخيرة سببه تكاثر عدد المعلمين وخاصة في أوروبا التي استعمرت العالم ونقلت كل المعارف الإنسانية إلى دولها ونسبتها لنفسها.

الغرب عرف نفسه فقدم للإنسانية ما يجب أن يقدمه ولكن أصابه الغرور واحتكر المعرفة.

المعرفة الغنوصية ليست ملك أحد بل هي ملك كل الإنسانية. بعد انتهاء صدمة الاستعمار وبدأ العالم وخاصة في مجال الاتصال والتنقل وظهور الدول والحدود وصعوبة التنقل وظهور الدول والحدود، كما أن العيش أصبح صعباً بتزايد عدد السكان وظهور أهمية النقود من أجل العيش والاعتماد على النفس حيث تم تحرير العبيد وغلاء المعيشة وظهور القوانين والدساتير التي تتحكم في كل شيء، وظهور التعليم الحديث والمدارس والجامعات والجمعيات والأحزاب السياسية واهتمام الناس بالحياة العادية دفع الكثير من الغنوصيين للخروج من جحورهم وبدأ التفكير في أسلوب جديد.

هذا الأسلوب بدأ في القرن الثامن عشر والتاسع عشر حيث بدأ بخلق مدارس خاصة وجمعيات ربحية وغير ربحية مقابل المدارس الحكومية والجمعيات التي فتحها الغرب في كل العالم التي تقوم على المبادئ الغنوصية وسوف نتعرف على ذلك.

هذه المدارس والجمعيات الغنوصية ظهرت في كل العالم، ظهرت في الغرب مثلاً مدارس الكابال والصهيونية والماسونية والمتنورين وعلم الفلك وعلم النفس وحتى الايديولوجيات السياسية مثل الرأسمالية والشيوعية وغيرها.

أما في أقصى الشرق ظهرت المدارس الروحانية ومدارس الطاقة ومدارس الرياضة الروحية مثل التيكواندو والكاراتيه وغيرها.

أما في الهند ظهرت مدارس اليوغا ومدارس الزهد ومدارس الصحة والحفاظ على الطبيعة والمدارس السلمية مثل حركة غاندي.

أما في منطقتنا شمال إفريقيا والشرق الأوسط ظهرت الديانات مثل البهائية والأحمدية والطرق الصوفية الجديدة.

كما ظهر في كل العالم العديد من المدارس الأخرى والجمعيات مثل تعليم السحر على جميع أنواعه من استعمال البوصلة الشامانية أو أوراق اللعب الكارتا أو التاروت والمدارس الفنية مثل الرسم والموسيقى والتمثيل والمدارس الفلسفية وعلم النفس والاجتماع والمدارس والجمعيات والمدارس العلمية وكلها هذا يخفي وراءه فكر غنوصي. للعلم قديماً أو حديثاً لا نتكلم أولاً عن الغنوصية بل دائماً هناك واجهة أو باب يحمل شعار معين؛ قد يحمل اسم عرفان أو صوفية أو باطنية أو المعرفة السرية أو حكمة القدماء أو الدين أو المذهب الغنوصي.

ويمكن أن نطلق على الغنوصي إنسان حكيم أو صالح أو مؤمن أو شيخ أو قطب أو نبي أو رسول. اليوم نفس الشيء يمكن للغنوصية أن تختفي وراء هذه المدارس والجمعيات أو وراء إيديولوجية سياسية أو معرفة علمية أو فنية ويطلق على الغنوصي اسم غورو أو معلم أو غيرها.

هذا لم يتغير مع الأسلوب الحديث لم أصادف في حياتي أي انسان يعلق على الواجهة أنه سوف يعلم الفكر الغنوصي لأن الفكر او المعرفة الغنوصية هي معرفة متأخرة تأتي بعد أن تتوفر الشروط.

الشروط القديمة قد عرفناها وهي؛ البحث عن معلم، الخضوع للتجربة، التعلم دون سؤال، رفع الحجب بين المعلم والمتعلم وأخيرا تصبح غنوصي ويمكن لك أن تعلّم.

إذاً ما هي المراحل للتعلُّم على الأسلوب الحديث التي يتبعها المعلمون؟

هي نفسها إلا أنها بطريقة جديدة على حسب العصر الذي نحن موجودون فيه الذي أحدث طفرة تكنولوجية كبيرة. هذه المراحل خمسة وهي:

أولاً: البحث عن المعلم الحقيقي والذي يناسبك شخصياً.

ثانياً: عندما تجد المعلم أو المدرسة أو الجمعية أو الحزب الذي يخفي وراءه معرفة غنوصية يجب أن تخضع للتجربة إما أن تدفع الأموال أو تعطي من العمل المجالي أو كلاهما.

ثالثاً: أن تستمر معهم ولا تنوي التمرد أو الهروب مهما كان ومهما حدث.

رابعاً: يصبح لك مركز لتلقي المعرفة على حسب السّلم مع احترام الذي قبلك.

خامساً وأخيراً: إما أن تبقى معهم وتصبح معلم أو أن تكوّن مدرستك الخاصّة أو حزبك أو جمعيتك لكي تُعلّم الآخرين وهكذا تفتح لك كل أبواب المعرفة.

هذا السلم الغنوصي نجده في كل أساليب التعليم الحديثة من المدرسة حيث الطفل يمر بالابتدائي إلى الثانوي إلى الجامعة، او في تعليم مهنة مهما كانت حيث يحتاج إلى الجهد والوقت والمال والاستمرارية وحسن علاقة التلميذ بالمعلم، وحب التلميذ للتّعلم. لكن ليس كل من يتبع هذا الأسلوب يصبح غنوصي. المعرفة وحدها لا تكفي بل يجب اختبارها وحسها والوعي بها، فكل إنسان تعلم ولم يعي ولم يحس هو مجرد متعلّم وهؤلاء في وقتنا الحاضر يتحولون إلى موظفين فقط من رئيس الجمهورية إلى الوزير إلى أصحاب الشهادات العليا وكل الموظفين والعاملين يتحولون إلى مجرد تابعين للقطيع.

أما الغنوصيون هم الذين وعوا وفهموا ويواصلون آخر حياتهم في البحث والمعرفة ويتجهون أكثر إلى البحث العلمي. يمكن القول أن الموظفين الذين يتبعون الروتين بدون وعي و فهم مهما كانت شهائدهم هم فاشلون غنوصياً لأن أسلوب التعليم الرسمي و خاصة في دولنا هو أسلوب يعتمد على الحفظ و جامد و ليس على الخبرة و التجربة و الوعي، و التلميذ الذي يتبعه كما هو لا يصل إلى شيء، كما أن أغلب المعلمين مجرد موظفين يعلّمون المعلومات بجمود وليس هناك جانب حسي مثل علاقة الأم بالابن علاقة حب و ثقة.

هذه النقطة فقط سوف أوضحها في الدروس القادمة وهي التي أحدثت الطفرة المعرفية وانتقال المعرفة الحسية إلى التلميذ بطريقة فعلية، لهذا هناك من يجد نفسه عندما يتمرد على أسلوب التعليم الحديث ولكن هناك أيضاً من يجد نفسه باتباع الأسلوب مع توسيع معرفته التجريبية خارج النظام الرسمي.

إذا المشكلة في الأساس في الدرجة الأولى تعود للمعلم الذي لا يُنبّه التلميذ ولا يوعيه، وفي الدرجة الثانية تعود التلميذ الذي لا ينتبه ويواصل على هذا النظام الروتيني ويحصل على الشهادات العليا ويدخل يشتغل كموظف وينتهي كامل حياته دون وعي ودون معرفة و دون معرفة ذاته.

إذاً المعلمون لم يعودوا مختفين في المغارات وعلى رؤوس الجبال وإنما موجودون بيننا ولكن مختفين وراء هذا الكم الكبير من المعارف. قد تجد غنوصي بجانبك جالساً، قد تجد غنوصي في الشارع، قد تجده في كل مكان وطبعاً قد تجده خلف الشاشة وهذه الطفرة الأخيرة حصلت بظهور الانترنت.

الانترنت غيّر كل المعطيات وسهل على الكثير من المعلمين الاتصال بالتلاميذ وسهل على من يريد المعرفة أن يجدها، ولكن كما قلنا كل غنوصي يختفي وراء إيقونة قد تكون اجتماعية، نفسية، صحية، دينية، مذهبية، صوفية، علمية.. إلخ، و ليس هناك غنوصيون يعلنون بصراحة أنهم غنوصيين يمكن القول أن الأقرب للمعرفة الغنوصية هم الذين يدعون لمعرفة النفس والذات؛ المعلمون القادمون من البنجاب و الهند و يعتمدون على اليوغا، يأتي بعدهم علماء النفس و لكن ليس بالطريقة التقليدية العلمية.

كل العلوم السحرية والباطنية والطاقة والرياضة وغيرها هي إيقونات يختفي وراءها كل المعلمين الغنوصيين القدامى والجدد وسوف لن أستعملهم في هذه القناة بل سأنقل الغنوصية الخام وبعد ذلك أنت حر أن تفعل بها ما تريد، لأنني أومن وأعتقد أن عصر الإخفاء والاحتكار قد انتهى. رغم التفاوت في درجة الوعي والمسؤولية بين البشر أنا متأكد أنه لن يفهم إلا من كان يستحق أن يفهم كما قال لي معلمي.

هذه القناة هي قناة غنوصية بأتم معنى الكلمة دون لفٍ ولا دوران وأنقل لكم الأمور كما عشتها يفهمها من يفهمها ومن لا يفهمها سوف يفهمها في يومٍ من الأيام، ومن لن يفهمها فهو لا يستحق أن يفهمها. لكن تأكد من كانت نيته سليمة سيتعلم الكثير.

اقرأ ايضًا : الدّرس 04 : التلميذ في الغنوصية

 

Pin It on Pinterest