86 / 100

 

سيرتي الذاتية

السلام على من اتبع العقل ونبذ النقل وفكر، عسلامة

بعد المقدمة الأولية التي تكلمنا فيها عن مقدمة القناة، وهل نحن في حاجة إلى معلّم، والمعلمون القدامى والمعلمون الجدّد، والتلاميذ، بدأنا في الحلقة السابقة مقدمة ثانية تتكوّن أيضاً من خمسة دروس وهذا الدرس الثاني. أسلوب التّداخل بين المقدمة الأولى والمقدمة الثانية هو نظام غنوصي، حيث القاعدة الغنوصية تقول:” لولا التّداخل لما ظهر الوجود”.

في هذه الفيديو سوف أُعرِّف عن نفسي اي سيرتي الذاتية، وفي الفيديوهات الثّلاثة القادمة سوف أتكلم عن أسلوب المعلمين في التعليم وأسلوب تعليمي، وأخيراً ما هو المطلوب من التلميذ، وهكذا نكون انتهينا من المقدّمة بصفةٍ عامة لندخل نوعاً ما في لب الموضوع بطريقةٍ سلسة وتدريجيّة تُسهّل على المتلقي الفهم والوعي والاستيعاب على حسب درجة وعيه وما هو محتاج إليه لمعرفة ذاته.

المعلّم مثل البائع والمتعلم مثل الشاري والمعرفة التي تُقدّم مثل المُشتَرى، ومن واجب المعلم أو البائع أن يُعرّف نفسه ويُعرّف ببضاعته التي يقدمها للشاري، وليس من الواجب للشاري أن يعرّف نفسه للبائع. يمكن للمتعلم أو الشاري أن يبقى مجهولا ً ومن وراء حجب، ولكن أيضاً يمكن أن يتعرف عليه البائع من خلال مشاركته وتعليقاته وأسئلته وهذا جيدٌ جدّاً للشاري، حيث سوف يعرف أكثر عن البضاعة التي يقتنيها ويعرف كيف يستعملها، وجيّد أيضاً للبائع لكي يختبر بضاعته ويطورها ويُحسن تعليمها للآخر لكي يفهمها أكثر.

إذاً التعارف والتبادل والمشاركة بين المعلّم والمتعلّم جدّاً مهمة للمتعلم وللمعلم حيث تخلق الشفافية والوضوح وخاصّةً الثّقة بين الطرفين، وهذه النقطة جدّاً مهمة في العلوم الغنوصية.

إذاً تعريف من أن أكون ليس بالأمر السّهل ويحتاج إلى وقت، ولكن مقدّمة أوليّة تكون كافية لأخذ فكرةٍ عني. أقول كما يُقال؛ من عرفني فسوف يعرفني أكثر، ومن لا يعرفني سوف يعرفني في المستقبل.

أدري أن معرفة الإنسان أو أي شيءٍ في الوجود هي معرفةٌ نسبية، ولكن أخذ فكرة هو أمرٌ مهم في البداية. طبعاً من يريد أن يعرف حياتي وما عشت بالتفاصيل يمكن أن يقرأ كتابي ” رحلة وطن مع الإسلام السياسي” بالعربية والفرنسية. أمًا من يريد أن يعرفني من خلال هذه الدّروس فله الوقت الكافي لكي يعرف ذلك، و من يريد أن يأخذ فكرة أولية يُطوّرها مع الوقت فسوف أقدمها له في هذه الفيديو:

اسمي عند الولادة هو محمد كريم العبيدي، أمّا اسمي الآن هو ماسين كيڤن العبيدي، والاسم الذي أفضله كثيراً هو ماسين. وُلدت في 4 أغسطس 1966 في تونس، أي أن عمري 54 سنة أي أكثر من نصف قرن. رغم أن التجربة أهم من العمر لكن العمر مهمٌ جدّاً خاصّةً عندما يكون مرافقاً بتجربةٍ غنيًة.

إذاً أنا لست مبتدئ ولا هاوي وإنما لي تجربةٌ طويلة في هذه المعرفة. صحيحٌ أن قدومي لهذا العالم لم يكن سهلاً، حيث وُلدت متوحد ولعلّ بعضكم يعرف هذا الذي يُطلق عليه مرضاً نفسياً؛ حيث أن الطفل يصعب عليه الاتصال بالعالم الخارجي ويعيش في عالمه الدًاخلي، ويخاف من كل ما هو خارجٌ عنه.

من حسن الحظ أن ما يُطلق عليه مرضاً نفسياً لم يكن من النّوع الخطير جدّاً أو من الصّعب الخروج منه. بفضل مجهود أمّي وعائلتي استطعت بعد سن العاشرة الخروج من هذه العزلة والارتماء في عزلةٍ أخرى.

من سوء الأقدار أني خرجت من عزلتي الداخلية وارتميت في أحضان الدّين الإسلامي السّياسي السُّني ومن بعده الإسلام السياسي الشّعي الأكثر خطورةً والأكثر باطنيّة. هذه التّجربة المريرة التي مازلت أتذوق طعهما المر في ذاتي إلى اليوم؛ حيث استغلوا سذاجتي ونيتي وإيماني لكي يلقوا بي فوهة البركان.

كنت مؤمناً بصدق وإخلاص بهذا الدّين وبهذا الإله، كنت حالماً أن أُصبح خادماً لهذا الدّين وأُصبح من المؤمنين المخلصين. كنت قد قدّمت قرباناً شبابي ووقتي ونفسي وعقلي وحتى كنت مستعداً أن أقدم جسدي وحياتي المهم أن أكون قريباً من هذا النّور الالهي ولكن الصدمة كانت قويةٌ جدًاً عندما علمت أن ما كنت أتصوره نوراً ما هو في الحقيقة إلّا شرارة من شرارات نار الجحيم.

لقد تعلمت حقيقة الدين ودور عالم الدّين هو أن يكون حارساً للحقيقة أو حارساً للكذبة لكيلا تصل إلى العامّة حتى يسهل قيادتها والرّكوب عليها. لم أقبل أن أستغل سذاجة الآخرين. لم أقبل أن أكذب على الآخرين. لم أقبل أن أركب على الآخرين باسم الدّين. عندما علمت وتأكدت أن هذه حقيقة الدين؛ أن تكون عبداً تابعاً أو سيداً متحيداً، فرفضت هذا وهذا وقلت ليس لي دين.

لا أكذب عليكم كانت صدمة جدّاً قويّة أن تخسر جزءاً من عمرك في الأكاذيب والأوهام جعلتني أهيم على وجهي فوق الأرض باحثاً عن الحقيقة التي تستحق الإيمان، فتنقلت من دوامةٍ إلى دوامة، ومن طريقٍ إلى طريق بين الصوفيّة والعلم الروحاني والسّحر وغيرها من الأبواب وكنت سوف أُضيّع بقية العمر في هذه المتاهات، ولكن من حسن الحظ وخلال هذه المسيرة الطويلة التي دامت عشرات السنوات في الظلمات التقيت بصيصاً من النور أخذ بيدي وأخرجني إلى نور الحياة. خسرت ثلث حياتي في الأديان، وخسرت ثلث حياتي في الرّوحانيات والأوهام، وأعيش الآن بقية حياتي حرّاً في سجن الوجود.

لولا هؤلاء المتنورين الأربعة الذين التقيتهم في حياتي لما كنت الآن أتكلّم معكم في هذه الفيديوهات بكل بساطةٍ وعفوية وثقةٍ وسلام. لن أنسى أبدا المعلمين الأربعة. لن أنسى هؤلاء المتنورين الذين كانوا مختفين وراء لباس الدّين خوفاً على أنفسهم من جهل العامّة. لن أنسى قولقل الأفغاني الذي كان شيعي مع الشّيعة وسنّي مع السّنة وبوذي مع البوذيين وهندوكي مع الهندوكيين وڨيدي مع الڤيديين. لن أنسى عبد الرحمن العراقي الذي كان شيعي عرفاني، ولن أنسى آلان الإسباني الذي كان روحاني مسيحي، ولن أنسى طبعاً مختار المغربي الذي كان صوفياً وساحراً.

صحيح كانت حياتي مليئة بالمعرفة ولن أيضاً مسيرة حياتي كانت تجربة فعلية ومخابرة حقيقية لهذه المعرفة لأني كنت مؤمناً كي لا مصدّقاً لهذه العلوم التي عرفتها في حياتي.

إذاً كانت حياتي كما يُقال مُكره أخوكم لا بطل. كنت كورقة الخريف التي أخذتها الرّياح ولعبت بها كما تريد تارةً إلى فوق وتارةً إلى تحت، وتارةً فوق صفحات الماء، وتارةً فوق الرؤوس، وتارةً فوق التراب إلى أن حصل لي الاستقرار وأخذت زمام أموري وقرّرت أن أكون رب نفسي وألّا أكون ربّاً على أحد. كل ما أردت أن أقوله في هذه الفيديو إني لم أحلم ولم أفكر في يومٍ من الأيام أن أعلِّم الآخرين أو أن أكون مسؤولاً عنهم.

كل أحلامي وكل رغبتي كانت أن أكون تلميذاً مجتهداً. ظروفٌ وعوامل هي التي جعلتني أفعل كل ذلك وأتعلم كل ذلك وأخابر كل ذلك، وهي التي جعلتني الآن أقدم هذه الدّروس بكل سرورٍ وحب لعلّها تنفع ولو قليلاً واحداً فقط منكم.

أختم هذه الفيديو بالقول: إن كل المعارف التي عرفتها مهما كانت ليس لها أهمية لو لا تعيشها وتحس بها وتجربها، وكل ما عشته وجربته سواء كان حلواً أو مرّاً ليس مهمّاً لو لا تنساه وتتركه يذهب لكي تترك المكان لأفكارٍ أخرى وتجارب جديدة في الحياة. تجديد الحياة دائماً لا تركن للخمول والروتين ولا تجعل حياتك تكراراً. دائماً نحو الأمام ونحو الأفضل. الحياة مختبر من أجل أن تعرف كل يومٍ أكثر ذاتك والعالم الذي حولك. الحياة ليست سكون ولا جمود. الحياة دائماً في استمرار.

ليس صدفة أن تأتي إلى هذه الحياة وأنت قد نسيت كل شيء لكي تنظر للمستقبل ولا تعيش الماضي. هذه حقيقة غنوصية سوف نتعرف عليها أكثر في الفيديوهات القادمة. لماذا لا نعلم شيئاً عن حياتنا السابقة؟ الماضي تعرفه جيداً، ولكن أن تعيش به فهذا ليس المطلوب، بل يُعتبر خطراً على المستقبل. نعم المستقبل هو الحياة، والمستقبل يُبنى من الحاضر.

أرجو أن تكونوا قد أخذتم فكرة لو بسيطة عن  ٍسيرتي الذاتية.

اقرأ ايضًا : الدرس 07 – أساليب التَّعليم في الغنوصيَّة

 

Share This