86 / 100

 

هل أنا مُعلّم؟

السلام على من اتبع العقل ونبذ النقل وفكر، عسلامة

سوف أجيب في هذا الدرس عن السؤال الذي يُطرح دائماً: هل أنا معلّم؟ ومن خلاله سوف نعرف الكثير من الحقائق المهمة.

الإجابة على هذا السؤال هي: نعم ولا في نفس الوقت.

الكثير منكم سوف لن تعجبه هذه الإجابة التي لا توافق العقل. العقل بصفةٍ عامة لا يحب الأجوبة الرمادية، بل يريد الأجوبة القطعية؛ أبيض أو أسود. نعم أو لا، بخلاف النفس التي تحتوي كل الأجوبة وكل الألوان بما فيها الرمادي والأسود والأبيض.

إجابتي رمادية لا يفهمها العقل بسهولة، وتحتاج إلى شرح وتفسير وتحليل لكي يستوعبها العقل ويقبل بها كحقيقة.

نعود إلى السؤال هل أنا معلم؟
أولاً يجب أن نوضح من هو المعلم. المعلم هو كل شيء نتعلم منه. إذاً نعم أنا معلّم، ولكن هل هذه الحقيقة كاملة أو جزءٌ منها؟ للعلم أن كل شيءٍ في الوجود مهما كان هو معلّم.

فلنأخذ الوردة على سبيل المثال فهي تعلمنا الرائحة والألوان والأشكال وغيرها من الأمور. كل ما في الوردة هو معرفة، وهذا ينطبق على أي شيء في الوجود. فهل تقول الوردة أنها معلمة؟ طبعاً لا، ولكن من يتعلم منها تُعتبر معلمته حتى وإن لم يقل ذلك، وبدون أن تعتقد هي أو تؤمن أنها معلّمة هذه حقيقة أولية. أمّا الحقيقة الثّانية؛ كل شيء في الوجود مهما كان هو تلميذ في نفس الوقت. هل الوردة تتعلم؟ طبعاً تتعلم من المناخ والتراب وكل شيء حولها تتعلم منه ما هي محتاجة إليه.

هل تقول الوردة أن التراب معلمها؟ طبعاً لا، ولا التراب يقول إنه معلم لشجرة الورد. هذا في عالم الطبيعة والوجود؛ كل شيء معلم ومتعلم في نفس الوقت دون أن يقول أي واحدٍ منهم أنه معلم أو تلميذ.

نعود إلى الإنسان الذي هو على درجة كبيرة من الوعي والذي يستعمل الكلام والتعبير من أجل المعرفة.

ما هو تحديد المعلم في المصطلح والمنطق الإنساني؟ المعلم في المنطق الإنساني هو المتمكّن من معرفة معينة مهما كانت ويقبل أن يعلمها، ولهذا لا يمكن القول على إنسان غير متمكّن من علم معيّن أنه معلّم.

مثلاً لو إنسان لا يعرف من السلم الموسيقي إلّا دو، ري، مي هل يمكن أن نسميه معلم موسيقى؟ طبيعياً وعلى حسب المصطلح الطبيعي: نعم، ولكن على حسب المصطلح الإنساني: لا.

كما أن إنسان متمكًن من الموسيقا ولكن لا يعلمها هل نسميه معلم؟ طبعاً لا. لأن شروط المعلم حددها الإنسان نفسه وهي التمكّن والتّعليم، ولكن هناك شرط ثالث يُضاف إلى هذين الشرطين وهو مهمٌ جداً، وهو أن يكون هناك من يتعلّم منه. لا يمكن أن يكون معلماً بلا تلاميذ.

لو إن إنسان متمكّن من الموسيقى ويعلم الموسيقى ولكن لا أحد يسمعه، هل هو معلم؟ طبعاً لا.

ملاحظة صغيرة هنا: كل تلميذ يتعلم ما هو بحاجة إليه في الطبيعة أو عند الإنسان.

نعود إلى سؤال هل أنا معلم؟
على حسب الشروط التي وضعها الإنسان: طبعاً فنحن هنا نتكلم عن الغنوصية.

فنسأل السؤال أولاً: هل أنا متمكن من الغنوصية؟ الجواب: نعم ولا، لأن العلم الغنوصي هو علم أزلي وغير محدود مهما تمكّنت أمام الأزلية والعمر القصير للتجربة، ومهما تعلمت ومهما جربت أُعتبر لا شيء، ولكن هذا اللاشيء يُعتبر كثيراً بالنسبة للآخرين. إذاً نسبياً: نعم أنا متمكّن من الغنوصية على حسب تجربتي وعلى حسب معرفتي.

ثانياً: هل أقبل أن أتكلم وأُعلّم؟ نعم أقبل وبكل سرور؛ كما علموني أُعلّم الآخرين فهو دين أعيده أولاً، وثانياً لا أومن باحتكار المعرفة فهي ملك للإنسانية جمعاء، وثالثاً لكي أختبر الأفكار ولكي تتطور هذه الأفكار يجب أن أختبرها لتتطور معي ومعكم وفي المستقبل. إذاً نقل هذه الأفكار يجعلها تتطور وتخضع للتجربة الفعلية.

ثالثاً: هل هناك من يسمعني؟ نعم وهذا فخر لي لأني بدونهم لا شيء.

إذاً يمكن القول: نعم أنا معلم لمن يريد أن يتعلم ما جربته وما عرفته، ولكن أنا تلميذ أيضاً ولست فقط معلم، حيث أرى ما أقدم لكم، وتأثيره عليكم في فهم أنفسكم، وبهذا التطور وهذه المعرفة التي أنقلها كتجربة شخصية تتطور الأفكار كل يوم، وهذا لا يُطور الأفكار فقط بل يُطور أسلوب وطريقة الطرح وكيفية نقل الأفكار حتى تكون أقرب للحقيقة. حتى من الناحية الفنية؛ الفيديو الأول سوف لن يكون كالفيديو مئة أو الفيديو ألف، وكل هذه التطورات بفضلكم وبفضل تعليقاتكم وبفضل خاصةٍ أسئلتكم، لأن السؤال هو مفتاح المعرفة، ولكل سؤال هناك ألف جواب، وعلى حسب السؤال تكون الإجابة.

لا أقول الإجابة الأولية لسؤال بسيط هي كذب، بل أقول هي غير كاملة، وهناك إجابة لا أقول إنها الحقيقة المطلقة لكن أقرب للحقيقة، مثل سؤال هل أنا معلم؟ الإجابة بنعم ليست كذب و إنما جزء من الحقيقة، و الإجابة بلا هي ليست كذب بل جزء من الحقيقة، و أقول أنتم معلمون لي جزءٌ من الحقيقة أيضاً، و بكل هذه الأجزاء من الحقيقة نصل إلى الحقيقة الأكثر كمالاً للجواب عن سؤال هل أنا معلم.

أظن أنكم فهمتم هذه النقطة المهمة جداً للبحث عن الحقائق بصفةٍ عامة. هذا الأسلوب بتجريد العقل من فكرة الأجوبة القطعية نعم أو لا. الأجوبة المربعة ، مثل أن الأرض كروية الشكل ليست كذبة بل الأقرب للحقيقة أن شكلها ليس كروي بالكامل، بل هو مفلطح أقرب لشكل البيضة من جانب القطبين، بل الحقيقة الأكثر من ذلك أن شكلها مبعجر أي مكنفر غير محدود الشكل الهندسي، أقرب لحبة البطاطس وأبعد ما يكون عن شكل البيضة أو الشكل الدائري.

ولكن لتسهيل الفكرة للعقول نقول إن الأرض مكورة أو مدورة فيتصورها البعض إنها على شكل الكرة وهي أبعد ما يكون عن شكل الكرة، لأن العقل الإنساني يسهل عليه الفهم بهذه الطريقة الجُّملية و بصفة عامة لا يدخل في التفاصيل المدققة التي هي من اختصاص العلماء و اختصاص من هم يعرفون التفاصيل الدقيقة جداً ، رغم ذلك يبقى كلامهم و وصفهم دائماً نسبي ؛ هذا فيما يخص المادة فما بالك فيما يخص النفس أو الأمور الباطنية أو الأمور المحسوسة أو الأمور الغير ملموسة ، فالأمر أكثر تعقيداً.

البعض يتسائل لماذا كل هذه المقدمة والثرثرة؟
قلت هذا الكلام لكي أقول لا تهتم بالفكرة التي تتلقاها هل هي كاملة أم لا. المهم الانتباه والوعي. المهم أخذ فكرة عامة في الأول. المهم أنك تسير في معرفة الأشياء. أي فكرة في البداية تكون نسبية، ولكن يجب أن تتطور دائماً نحو الكمال. ليس الهدف الوصول للكمال وإنما الهدف الوصول للتطور والأحسن والأفضل. الوصول للكمال هو أمر مستحيل خاصةً في العالم الأزلي وخاصةً في هذه الحياة القصيرة، لهذا أهم شيء هو السير في الطريق والكمال تقترب منه كل يوم أكثر وذلك بالاستمرارية إلى آخر رمق في الحياة.

وخلال هذه المسيرة علينا أن نُجدّد دائماً أفكارنا ومعارفنا وأحاسيسنا ونختبر كل ذلك لكي نتعرف عليهم بقرب وأكثر تفصيلاً ودون ضياعٍ في هذه التفاصيل التي تبعدنا عن المعرفة الجُّملية.

الروتين الفكري أو القول إنك وصلت للحقيقة هو خدعة كبيرة تجعلك لا تتقدم. إذاً يجب الانتباه إلى هذه النقطة المهمة جداً. لا يجب أن نتوقف على نقطة ونريد أن نعرف كل تفاصيلها، بل تعلّم كل ما يعترضك في الطريق وحس الأشياء كما هي الآن، فليكن كل ما تعيشه حياةً جديدة وحياةً كاملة، فأنت لا تعيش حياةً واحدة وإنما تعيش حياة جديدة بمعارف جديدة وبأحاسيس مختلفة. فلتكن حياتكم مثل النهر الذي يسير ويجرف معه كل المعارف وكل الأحاسيس.

إذاً أظن أني في هذه الفيديو قد أجبت على سؤال هل أنا معلم أم لا. نعم أنا معلم وأنا تلميذ، وأنتم بدوركم معلمون لي ولغيري، وفي نفس الوقت تلاميذ. هذه الحقيقة التي يجب أن تعوها وتفهموها وتعرفوها.

اقرأ ايضًا : الدّرس 06 : سيرتي الذاتية 

Pin It on Pinterest